كتب

«أربع محاولات للحياة»… الكتابة لُعبة مسلّية

مهدي زلزلي

«أربع محاولات للحياة» كتاب مشترك لأربعة كتّاب مصريين يقوم على لعبة: يختار أحدهم موضوعاً ويكتب الآخرون عنه بحرية، ثم يتناوبون الاختيار.

 

«أربع محاولات للحياة» كتاب مشترك لأربعة كتّاب مصريين يقوم على لعبة: يختار أحدهم موضوعاً ويكتب الآخرون عنه بحرية، ثم يتناوبون الاختيار. يبتعد عن الوعظ والتنظير ويقدّم نصوصاً سردية متنوعة عن الحنين، والأبناء، ونظرة الآخرين، والندم، والموت والكتابة. تمتزج الأساليب بين التجريب واليوميات والبساطة

«عزيزي القارئ، أنت بصدد التعرّف على تجربة غريبة». لا يبالغ أصحاب «أربع محاولات للحياة» (دار الشروق ـــ القاهرة) باختيارهم هذه العبارة ليصدّروا بها كتابهم المشترك. والغرابة هنا لا تكمن في عدد المؤلفين، فهو ليس الكتاب الجماعي الأوّل بطبيعة الحال، بل في فرادة التجربة وجدّة موضوعها.

أسامة علام، نشوى صلاح، أحمد عبد المجيد ومروة سمير… أربعة مصريين من أعمار متقاربة، جمعتهم الكتابة وفرّقتهم تجارب حياتية مختلفة، قرّروا أن يلعبوا مع القارئ لعبة لطيفة، فيختار أحدهم موضوعاً يشغله ويطرحه على المجموعة، لتبدأ الكتابة الحرّة حول اختياره، وبالتتابع يختار كل كاتب موضوعاً ويلتزم الثلاثة الآخرون بالكتابة عنه.

بعيداً من التنظير

يؤكد الكتّاب الأربعة في مقدّمتهم «المشتركة بدورها» أن هدفهم لم يكن أبداً التنظير والجلوس على مقعد الحكمة كي يحكوا للقارئ تجربتهم المبهرة في الحياة، وأن الكتاب ليس فيه الكثير من محاولات التفلسف أو النصح والإرشاد، ببساطة لأن حياتهم عادية كحياة القارئ، ولأنهم يحاولون الكتابة لأنفسهم بهدف التعرّف إليها بشكل أكثر وضوحاً ومصارحتها.

«موزاييك» مواضيع وأساليب

هكذا، ينتقل القارئ من فصلٍ إلى آخر بسلاسة، مستفيداً من تنوع المواضيع، وحسن اختيارها، ومن اختلاف الأساليب الذي أغنى التجربة وصنع فرادتها. ينطلق من «الحنين» إلى شخصٍ عزيز فارقنا، أو مكانٍ فارقناه فاشتعل حنيننا إليه بعد حين، وصولاً إلى «الأبناء» والتنازع بين سحر العيش معهم وتحديات تربيتهم، والمحاولات العفوية لتوريثهم هواياتنا وجعلهم نسخاً عنا. ثمَّ هناك «الكتابة» بوصفها مصدراً للخوف والغضب والبهجة والامتنان في آنٍ واحد، وفعل جنونٍ وتداوٍ أيضاً. ونقرأ نصوصاً أخرى عن «نظرة الآخرين» إلينا وإفراطنا في السعي إلى احترامهم إلى حدٍّ يستعبدنا، وعن «الندم» على ما فعلناه تارةً أو ما لم نفعله طوراً، وعن الرسائل، والعزلة، والقراءة، والإلهام، والاختلاف، والقارئ، والمنافسة بين الكتّاب، والموت والاعتراف.

قد تصلح الأفكار السريعة أعلاه كلمحةٍ عن أجواء الكتاب، ولكنها لا يمكن أن تختصره، فهي ليست محل إجماع كتّابه أصلاً، وقد جرى اقتباس العبارات من واحد أو اثنين فقط من النصوص الأربعة التي تدور حول الفكرة المطروحة في كل فصل من فصول الكتاب. واختلاف التجارب والآراء وزوايا النظر ميزة أخرى تُضاف إلى اختلاف الأساليب الكتابية، لتصنع كل هذه الاختلافات من الكتاب لوحة «موزاييك» بديعة.

تداخلٌ يفرض نفسه

ولكن، هل يمكن فعلاً الفصل بين عناوين فصول الكتاب بوصفها تشير إلى مواضيع مختلفة ومتباعدة، أم أن التداخل سيفرض نفسه على الورق كما في الحياة نفسها؟ قد تكون الإجابة الثانية هي الأكثر دقةً، فالحديث عن «الأبناء» يقودنا إلى «الكتابة» قبل أوانها، والحديث عن «الندم» يستولد حديثاً استباقياً عن «الموت» قبل أوانه، كما في نصّ أحمد عبد المجيد الذي ندم لأنه لم يشبع من والده قبل رحيله، أو إلحاقياً عن «نظرة الآخرين» كما في نصّ نشوى صلاح التي تروي لنا كيف تخلت في خياراتها الدراسية المبكرة عن شغفها، التزاماً بمجموع الدرجات العالي الذي حصّلته ونظرة الناس إلى الاختصاص الذي يناسب شغفها!

ولعل أكثر ما نأى بالكتاب عن التنظير والتفلسف، وجعله أقرب إلى لعبة مسلية كما أراده أصحابه، هو إخلاصهم لهويتهم السردية، فقد حملوا أفكارهم حول الموضوع المطروح على متون حكائية، نقلوا من خلالها بأساليب مسلية حكايات تنتمي إلى مراحل مختلفة في حيواتهم، بل إنّه في نصّها عن «الندم»، أوغلت نشوى صلاح في «اللعب» إلى حدّ بناء حكاية فانتازية تدور حول عثورها على آلة للسفر عبر الزمن، وحماستها للتجربة، قبل أن تكتشف أنها تخشى العودة إلى الماضي لتصحيح أخطاء ندمت عليها، تجنباً لأخطاء إضافية وندم جديد. وفي نصّها عن «الاختلاف»، تأخذنا نشوى إلى حكاية فانتازية أخرى بالغة الدلالة، على شكل منام هذه المرّة.

توزيعٌ عادلٌ للمتعة

ولا بدّ من أن يتوقف القارئ عند الحفاظ على ترتيب النصوص في كل موضوع، وهو الترتيب الذي وردت فيه أسماء الكتّاب في هذه المقالة، ويمكن أن يعدّه القارئ توزيعاً عادلاً للمتعة في ظل التفاوت الطبيعي والمتوقع في المستوى بين كاتبٍ وآخر، الذي يتجلى هنا في علوّ كعب علام وعبد المجيد ولو بفوارق طفيفة عن شريكتيهما، فضلاً عن كون هذا التفصيل أدعى إلى قراءةٍ أكثر انسيابيةً، من دون أن يعني ذلك مصادرة واحد من حقوق القارئ العشرة بحسب دانيال بِناك، وهو «الحق في القطف» أو في «القراءة العشوائية».

أسامة علام، يميل عموماً إلى التجريب، وقد مارسه في كتابه «طريقٌ متّسعٌ لشخص وحيد» (دار الشروق) الذي ضمّنه اثنتي عشرة حكاية من اثنتي عشرة مدينة مختلفة قاده الترحال إلى شوارعها، مبتدعاً خلطة سحرية من الواقع والخيال يصعب اكتشاف سرّها، حتى تميل إلى الاعتقاد أنه صاحب هذه الفكرة ومصدرها قبل أن يتبنّاها الثلاثة الآخرون. وترحال علام لا يغيب عن نصوصه في «أربع محاولات للحياة»، بل يحضر بقوّةٍ ولطف في آن واحد، مضيفاً إلى نصوصه الكثير من الإثارة والتشويق.

وإذا كان الترحال يطبع نصوص علام، فإن تخصّص نشوى صلاح في علم النفس يطبع بدوره نصوصها، ويحضر معه في كل نصّ تقريباً «عملاؤها» الذين تحرص على تجنب اعتماد الخطأ الشائع قديماً عبر وصفهم بـ«المرضى»، ملتزمةً بالتسمية الحديثة. ومن المعلوم أنّ بين الكتابة الأدبية وعلم النفس علاقة تاريخية عميقة.

أما نصوص أحمد عبد المجيد، فلو جُمِعَت في كتابٍ وحدها، لجاز اعتبارها مذكّرات أو يوميات على قدرٍ كبيرٍ من الإمتاع، وإن خالط هذه المتعة شيء من الحزن الذي يصيب القارئ في مواضع محددة. ولعل عبد المجيد هو الأكثر إخلاصاً للسرد عبر أسلوبه الخاصّ بما فيه من عذوبة وسلاسة.

وتسلك مروة سمير درباً أكثر بساطةً ومباشرةً في التعبير عن أفكارها ومواقفها، حتى تبدو نصوصها أقرب إلى مقالات رأي باستهلال تقليدي وخاتمة تحمل استنتاجاً أو خلاصة، وبين الاثنين استشهاد بمقولاتٍ لمبدعين تأثرت بهم في مسيرتها، من فيكتور هوغو إلى كونديرا وكافكا.

الغلاف.. وإبداع كريم آدم

لا يمكن الحديث عن الكتاب من دون الإشارة إلى غلافه المتقن الذي صمّمه التشكيلي كريم آدم (اشتهر بتصميمه البوستر المميّز لمسلسل «لام شمسية»). ويعبّر غلاف «أربع محاولات للحياة» عن فكرة الكتاب بأفضل الطرق وأكثرها إبداعاً وبساطةً في آنٍ واحد، عبر أربع نوافذ متجاورة لا تشبه إحداها الأخرى، ولنا أن نتجاوز أبعاد الصورة إلى تخيل ما تطل عليه: الشارع – الحياة، وأن نرى في البناءِ بطلائه الأخضر «الكتابةَ» نفسَها، فلا يبقى بعدها إلا أن يطل كتّابنا الأربعة علينا من خلف الدِرَف نصف المفتوحة!

صحيفة الأخبار اللبنانية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى