أحوال الدنيا

أسألوا “المكدوس” عن معنى الأمل؟!

د. فؤاد شربجي

لفتتني صحفية سورية مميزة (زينة أرحيم) بحديثها على إحدى القنوات الفضائية الأوربية. لفتتني بحديثها عن أهمية انحياز الصحفي للإنسانية كي يكون مهنيا ممتازا. وطالبت الصحفيين بالبقاء بعيدا عن الوقوع في فخ الدعاية والتطبيل لهذا الجانب أو ذاك من المتصارعين. حيث رأت (زينه) أن في الانحياز للإنسانية والإنسان نصرة لأصحاب الحق، ودفاعا عن الحياة الإنسانية الحرة الكريمة كمعنى لهذا الحق. انه فهم متميز لدور الصحفي ومهنيته.

‏في حديثها عن تقرير إعلامي أعدته في منطقة مشتعلة من الشمال السوري، أثناء الاشتباكات الحامية، روت كيف كانت النسوة يعدون الباذنجان ويصنعون المكدوس ليمونوه لقادم السنين والأيام. نعم يمونون المكدوس لقادم السنين والأيام رغم أن القصف فوق رؤوسهم ويهددهم في كل لحظة بالموت. وهذا ما جعل زينة تستنتج (كم يحمل المكدوس من معنى الأمل بالحياة القادمة الذي تزرعه النسوة فيه) ليس في الشمال السوري فقط بل في عموم الجغرافيا الإنسانية للسوريين، حيث تشكل المونة عامة وليس المكدوس فقط، “ذخيرة عيش” تتحدى القصف الهمجي والحرب المجنونة، وتتطلع للحياة القادمة… للحياة في السنين والأيام الأتية رغما عن الحرب ومجرميها.

‏المكدوس كعنوان للمونة يفتح معاني هذه الخاصية السورية في التموين للمستقبل. ولأن بلاد الشام عانت طيلة تاريخها من الحروب فقد أبتكر أهلها طريقة في تخزين وتصنيع الأغذية لتقيتهم في أيام الحصار والحرب. ولعمق معاناة السوريين من الحروب اخذ مهندسو البيت الشامي ضرورة توفير مكان مناسب للمونة فيه، وصارت هندسة البيت الشامي تتضمن ركنا مناسبا للمونة يسمونه (بيت المونة). وهو ركن يبنونه بشكل يحفظ البرودة. ويبقى المونة، بما تتضمنه من أغذية، سليمة لحين الحاجة لها. وكل ذلك يحمل معاني إنسانية تتمسك بالمستقبل والحياة القادمة وتقاوم الحروب وجرائمها وقسوتها.

‏بالفعل تحمل صناعة المكدوس وعملية كبس الزيتون وعقد المربيات تجفيف الخضروات والفواكه، كلها تحمل معاني الوثوق بالمستقبل والحياة القادمة. وهكذا فإن المونة تحمل معنى الوعد بحياة قادمة تحتاج لهذه الأغذية. وهذا الوعد يتضمن طاقة حياة. وقوة عزيمة. تجعل الإنسان ينتصر لحقه في الحياة. ويهزم الحروب. باستمراره الحي الكريم الحر والفاعل.

‏من يدقق في أساليب السوريين لابتكار العيش واستمرار الحياة، يجد أن عادة تموين المونة صحيح بدأت لمقاومة ظروف تقلب الفصول وندرة بعض المزروعات في فصل وتوفرها في فصل آخر، لكنه ومع تحولها إلى وسيلة لمقاومة الحروب والحصار والقصف، أصبحت عادة أو فطرة لأهل بلاد الشام كلهم. وهي فطرة عابرة لطوائفهم وإثنياتهم وأقوامهم السورية. السني يمون، والشيعي يمون، والعلوي يمون، والدرزي يمون، والمسيحي يمون، والكردي يمون، والاشوري يمون. الكل يمون، والمفارقة أنهم يتبعون نفس الأساليب في إعداد مونتهم. كلهم يمونون وبنفس الأسلوب. والمونة هنا باتت قاسما مشتركا لهذه المكونات السورية المتنوعة والغنية. وصارت عاملا جامعا لكل الاطياف السورية، وباتت بشكل من الأشكال تعبيرا عن روحية وحدة وطنية في تمسكها بوعد للمستقبل يصنعونه معا لحياة حرة كريمة قادمة وقاهرة للحرب ومتجاوزة لأي خلافات عابرة أو مدسوسة من تجار الحروب ومجرمو النزاعات.

‏الصحافة الحقيقية تبحث بين الناس عما تعانيه إنسانيتهم، وما يسلب منهم حقوقهم، وتلاحق نضالهم من أجل حياة مكتملة الإنسانية. والصحافة المبدعة تكتشف قوة الإنسان وعزيمته في قهر الإرهاب والظلم والديكتاتورية. وهذا ما يحتاج من كل صحفي ان يتخلص من انحيازاته المسبقة، ويكتفي بانحيازه للإنسان والحق والحياة، ولتطلعه للمستقبل الأكثر حرية وعدلا ومساواة وجمال، كما فعلت زينة بانحيازها للإنسانية كتعبير عن كل ذلك.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى