
تمر العلاقات التركية-الإسرائيلية في هذه الفترة بأصعب وأخطر مراحلها، في ظل حالة التوتر المشحون والتهديد المتبادل والذي قد يتسبب بإشعال حربًا جديدة في المنطقة الساخنة، التي تعاني ولا تزال من ويلات الحروب التي لم تنطفئ نيرانها بعد.
وخلال الفترة الأخيرة شهدت الساحة حالة سجال وهجوم وانتقادات غير مسبوقة بين أنقرة و”تل أبيب”، وصل لحد التهديد المباشر واستخدام ورقة التصعيد العسكري، بعد أن خرجت الخلافات والانتقادات إلى العلن ولم تبقى محبوسة في دروج الدبلوماسية السياسية.
وركز الإعلام العبري وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين بشكل كبير على “خطر” تركيا، وضرورة التحرك السريع لوقف هذا التهديد حتى لو كان ذلك على حساب إشعال حربًا جديدة في المنطقة، وهو الأمر الذي لم تتركه أنقرة ليمر مرور الكرام فدائما ما كان ردها حاضرًا.
ورغم قنوات “التواصل والمصالح المشتركة”، إلا أن التوتر السياسي بين إسرائيل وتركيا عكس أزمة حادّة في العلاقات بينهما، والتي وصلت إلى أعلى مستوياتها بعد أنّ اتهم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بالنازيّة وبأنّه خليفة الزعيم النازي أدولف هتلر.
كما أدلى وزير الخارجية التركيّ، هاكان فيدان، الجمعة، بسلسلة من التصريحات الحادة ضد إسرائيل، واصفًا إيّاها بأنّها عامل مزعزع للاستقرار ومشكلة عالمية تتطلب تدخلاً دوليًا عاجلاً.
وأضاف فيدان “إسرائيل ليست مشكلة تركيا وحدها، وليست مشكلة الرئيس أردوغان وحده. الفرق الوحيد هو أنّ الرئيس أردوغان هو مَنْ يقول صراحةً إنّ الخطأ خطأ. هذه قضية منفصلة، وهذا أمرٌ يجب على الإنسانية جمعاء أنْ تتأمل فيه”، ووفقًا له، فإنّ إسرائيل “تبحث الآن عن عدوٍّ جديدٍ، وجّه تهديدًا ضمنيًا، موضحًا أن أنقرة لا تخشى التصعيد طالما أن إسرائيل، أوْ أيّ جهةٍ أخرى، تتصرف بما يتعارض مع مصالحنا الوطنية والإقليمية، فلا داعي للخوف أو التردد أو التراجع. لا مشكلة لدينا في المواجهة”.
وأكّد فيدان أن إسرائيل تُعدّ قوة مُزعزعة للاستقرار، وفقًا للتقييم شبه العالميّ للمجتمع الدوليّ، وقال: “للأسف، هي دولة تحكمها زمرة مُتهوّرة جلبت معها عدم الاستقرار والقمع وإراقة الدماء أينما حلّت”، مُشيرًا إلى ازديادٍ حادٍّ في المشاعر المُعادية لإسرائيل حول العالم، من الجامعات إلى الصحافة، لأنّ “الناس يرون إسرائيل ترتكب مجازر علنًا”.
وأضاف أنّ الولايات المتحدة قد تُغيّر نهجها، إذ بدأ السياسيون الأمريكيون يُدركون أنّ دعم إسرائيل يتعارض مع مصالحهم، وتابع: “في الماضي، كان بإمكانهم التستر على ذلك ببعض المناورات الإعلامية البسيطة، أمّا الآن فلم يعد بإمكانهم إخفاءه”.
وردًا على هذه التصريحات، قالت صحيفة “معاريف” العبرية، إن فيدان يسعى إلى تصوير أنقرة والرئيس أردوغان على أنّهما الصوتان الأخلاقيان الوحيدان اللذان يجرؤان على قول الحقيقة علنًا، داعيًا في الوقت نفسه إلى فرض عقوباتٍ على إسرائيل.
وبحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإنه في الأشهر الأخيرة، وخاصة منذ انتهاء الحرب مع إيران، ترسخ في إسرائيل رأيٌ حظي بإجماع واسع (عبر عنه كل من نتنياهو وبينيت) مفاده أن “تركيا هي إيران الجديدة”.
ووفقًا لهذا الرأي، يسعى أردوغان إلى تدمير إسرائيل، ويبرز كمحور سني إقليمي ينافس المحور الشيعي، الذي يهدف بدوره إلى إقامة حلقة نار حول إسرائيل. هذا في الواقع رد فعل طبيعي لدولة تعيش حالة ما بعد الصدمة منذ 7 أكتوبر، دولة لم تخضع قط لتحقيق شامل، تقبل الحرب كحالة دائمة، وتسعى باستمرار لتحديد الأعداء والاستعداد لمواجهتهم.
وذكرت الصحيفة، من الضروري التساؤل عن مدى دافع أنقرة، التي لا تزال تحافظ على علاقات دبلوماسية مع إسرائيل رغم الأزمة الحادة بينهما، نحو تدميرها والسعي إلى المواجهة، وإذا كان هذا هو الاستنتاج بالفعل، فكيف ينبغي لإسرائيل أن تتصرف عسكريًا، وكيف تعزز قوتها في مواجهة حليف رئيس لواشنطن، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو؟
وتابعت يديعوت أحرونوت، “إذا اعتمدنا على الخطاب فقط، فإن البلدين على شفا حرب. في الأسابيع الأخيرة، أضاف أردوغان إلى اتهاماته المعتادة لـ إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، تصريحاتٍ مفادها أن نضال تركيا هو ضد الصهيونية جمعاء، ويُشنّ باسم الأمة الإسلامية، إلى جانب تحذيرات شديدة اللهجة من أن هجمات إسرائيل على لبنان وسوريا تُشكّل تهديدًا للأمن القومي التركي. بل ذهب وزير الداخلية التركي إلى أبعد من ذلك، مُعلنًا: “كما شهدنا تحرير دمشق وحلب، سنشهد يومًا ما تحرير القدس، وستكون هذه الأماكن لنا من جديد”، بل وأعرب عن أمله في تولي منصب محافظ القدس يومًا ما.”
من جانبه، صرّح نتنياهو بأنه يجب أخذ أي شخص يتحدث عن زوال إسرائيل على محمل الجد، بينما يتنافس بقية وزراء الحكومة في شنّ هجمات على أنقرة: كاتس، الذي حذّر قبل عامين من أن “أردوغان يسير على خطى صدام حسين، ويهدد بمهاجمة إسرائيل، سخر من أن “الإمبراطورية العثمانية انهارت ولن تعود أبدًا”، وأن “أردوغان يعيد تركيا إلى عصر الظلام والتخلف”؛ وأوضح “شكلي” أن التهديد التركي أكبر من التهديد الإيراني؛ بل إن ميكي زوهار هدّد قائلاً: “إذا تجرأ أردوغان على اختبارنا، فسيكون مصيره أسوأ من مصير النظام الإيراني المحتضر”، بحسب يديعوت أحرونوت.
وأكملت الصحيفة، وقد زاد قرار الحكومة هذا الأسبوع باعترافها بالإبادة الجماعية للأرمن من حدة التوتر. كان من المتوقع الإدانة التركية الشديدة، لكن يبدو أن إسرائيل، حيث لا تستند كل خطوة إلى تفكير منهجي، واجهت صعوبة في التنبؤ بسلسلة ردود الفعل على هذه الخطوة.
وقالت “يديعوت أحرونوت”، بعد تجاوز الخطابات الرسمية، نحدد ثلاثة تحديات رئيسية تبرز حاليًا من تركيا: أولها وأهمها في الوقت الراهن هو استمرار تركيا في ترسيخ وجودها في سوريا، الذي بدأ فور تولي أحمد الشرع، حليف أنقرة، زمام الأمور في البلاد أواخر عام 2024. وفي إطار العلاقات الوثيقة بين البلدين وتزايد التدخل التركي في سوريا، تُبذل جهود لإعادة ملايين اللاجئين الذين فروا إلى الأراضي التركية خلال الحرب الأهلية السورية، فضلًا عن التعاون ضد الأكراد في سوريا، والتواجد العسكري الواضح في البلاد. يُضاف إلى ذلك مؤخرًا محاولة تركيا منع ترامب من دفع الشرع إلى لبنان “لمحاربة” حزب الله، خشية تقويض مكانة حليفها في دمشق.
يتمثل التحدي الثاني في مساعي تركيا لإبرام صفقة شراء طائرات إف-35 من الولايات المتحدة، ما قد يهدد تفوق إسرائيل الجوي في المنطقة. وقد أوضح نائب الرئيس ترامب، جيه. دي. فانس، في هذا السياق، أن الإدارة تدرس كيفية الالتفاف على توجيهات عام 2019 باستبعاد تركيا من مشروع تطوير طائرات إف-35، بعد شرائها منظومات الدفاع الجوي إس-400 من روسيا.
في غضون ذلك، تسعى تركيا جاهدةً لإتمام الصفقة التي وصلت إلى مراحلها النهائية، وهي صفقة بقيمة 700 مليون دولار لشراء محركات أمريكية لطائرة “كان” المقاتلة المتطورة المصنعة في تركيا. يُعدّ هذا عنصرًا حاسمًا لمشروعٍ يُوليه أردوغان أهميةً بالغةً لترسيخ مكانة تركيا الإقليمية وتعزيز صورتها كأصلٍ استراتيجيٍّ لحلف الناتو. وتوضح الباحثة التركية غونول تول أن أنقرة، رغم إنتاجها لمحركاتها الخاصة، إلا أن وتيرة الإنتاج بطيئة نسبيًا.
أما التحدي الثالث، بحسب يديعوت أحرونوت، فيتمثل في الدعم التركي المستمر لمقرّ حركة حماس المسؤول عن الضفة الغربية، والذي يُدير عملياته من أراضيها. وفي هذا السياق، تتكشف باستمرار العديد من البنى التحتية في الضفة الغربية، والتي تُديرها حركة حماس في إسطنبول، ومن المرجح أن عناصر الحركة لا يتلقون الرعاية فحسب، بل يتلقون أيضاً دعمًا لوجستيًا وماليًا، وحتى عسكريًا، من مسؤولين أمنيين أتراك، في ظلّ وجود تحالف أيديولوجي عميق بين أردوغان وحماس.
في خضمّ ذلك، يبرز تحدٍّ رابع، يتمحور حول البُعد المدني والبنية التحتية، ولكنه يحمل في طياته تداعيات استراتيجية على “إسرائيل”. تنظر أنقرة بقلق إلى مشروع “الربط البحري العظيم” الذي تروج له “إسرائيل” واليونان وقبرص، والذي يهدف إلى ربط الدول الثلاث بشبكة الكهرباء الأوروبية عبر كابل بحري بطول 1200 كيلومتر، ما قد يوفر لـ”إسرائيل” طاقة احتياطية في حال انقطاع التيار الكهربائي. من جانبها، تروج تركيا لـ”قانون الوطن الأزرق”، الذي يهدف إلى توسيع نطاق سيطرتها البحرية، والذي يُشكل إشارة تهديد لليونان، التي سيُمدّ الكابل البحري في مياهها الإقليمية.
وتابعت الصحيفة، يوضح الدكتور هاي إيتان كوهين يانروجيك، من مركز ديان بجامعة تل أبيب: “علينا أن نأخذ على محمل الجدّ الخطاب الذي ألقاه أردوغان في 10 حزيران، والذي حذّر فيه قبرص واليونان من التعاون مع إسرائيل، في خطوة قال إنها ستقوّض حقوق تركيا، وحذّر من أنها ستردّ بقسوة إذا ما وُوجهت بأي تحدٍّ”. يتمثل تحدٍ آخر في محور النقل التجاري والطاقة الممتد من السعودية إلى تركيا عبر سوريا، والذي تسارع وتيرته في ضوء أزمة مضيق هرمز، ويهدف إلى منافسة رؤية “إسرائيل” لإنشاء محور عرضي يمتد من المضيق إلى دول الخليج والهند.
وفي هذا السياق، تبرز تركيا كإحدى أكبر الرابحين من الحروب الجارية في المنطقة منذ 7 أكتوبر. ونظرًا للمواجهة الحادة بين خصومها، تسعى تركيا إلى توسيع نفوذها في ساحات متعددة: ليبيا، والصومال – حيث تقع أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج حدودها – والعراق، إلى جانب سيطرتها على القدس وقطاع غزة، حيث لا تستطيع نشر قوات عسكرية، لكنها تدعم مشاريع مدنية.
وتابعت يديعوت أحرونوت، كما تشارك أنقرة في محاولة لتشكيل تحالف رباعي إسلامي، يضم باكستان (القوة الصاعدة في المنطقة)، والسعودية، ومصر، التي شهدت علاقاتها المتوترة معها مؤخرًا تحسنًا ملحوظًا (نظرًا لتقارب أردوغان مع جماعة الإخوان المسلمين). تتجلى مظاهر هذا التقارب في زيارة رئيس الأركان التركي إلى مصر، وفي المناورة الجوية المشتركة بين البلدين، وفي انخراط أنقرة في جهود الوساطة مع حماس الجارية في القاهرة، سعيًا منها إلى تعزيز مقترح لترسيخ الوضع في غزة.
وبذلك، بات الخوف من الصدمات التي تُحدثها إسرائيل في المنطقة محورًا أساسيًا في التعاون المصري التركي، مما يُشير إلى بنية إقليمية جديدة تختلف تمامًا عن الشرق الجديد الذي كانت “إسرائيل” تتوق إليه.
وأمام هذه التطورات.. هل تُشكل تركيا خطرًا على إسرائيل؟ وهل الحرب قريبة؟.. وماذا يريد أردوغان؟
صحيفة رأي اليوم الألكترونية



