تغول إسرائيل يستدعي تحولات عربية وإقليمية

في خلفية أخبار تبدو غير مترابطة، في أكثر من دولة عربية وإقليمية، يمكن لمح خيط، أو خيوط، تتصل، بشكل أو آخر، بالتغوّل الإسرائيلي.
لم تقتصر آثار هذا التغول المباشرة على غزة والضفة الغربية، ولا على البلدان العربية المحيطة، عبر الهجمات والتوغلات في لبنان وسوريا، بل بقيت تتوسع جغرافيا باستمرار، على ما نراه حاليا في التحريض الإسرائيلي على مهاجمة إيران وارتفاع احتمالات الحرب الأمريكية ضدها، أو اعتراف تل أبيب بحكومة أرض الصومال، أو بالتحالف مع اليونان وقبرص لمواجهة تركيا الخ.
تخفّى هذا التغوّل، قبل عملية 7 تشرين أول (أكتوبر)، بتواطؤ عربي، على شكل “اتفاقات السلام” الإبراهيمية، والتي كان الضغط الأمريكي – الإسرائيلي يراها متجهة بشكل طبيعي نحو ضم السعودية وإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي ودفن القضية الفلسطينية تحت شاهدة تلك الاتفاقات، ولكن ما حصل بعد “طوفان الأقصى” من انفلات وحشي هائل للدولة العبرية ضد الفلسطينيين على شكل إبادة جماعية كنس أوهام السلام التي تقفز على القضية الفلسطينية، وأدى إلى خلق ديناميات جديدة، أهمها تصاعد ردود فعل عالمية كبرى، انعكست على منظومة الأمم المتحدة ومحكمتي العدل والجنائية الدوليتين، مما جعل رئيس حكومة إسرائيل متهما بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأدت إلى انتفاضة في العديد من دول الجنوب العالمي، كجنوب افريقيا والبرازيل، وتجلّت بتظاهرات المدن والجامعات في الغرب لتؤدي إلى تغييرات في بنية حلفاء إسرائيل التقليديين، ولتدفع العديد من الدول الغربية للاعتراف بفلسطين.
استغرق أحد التحوّلات وقتا طويلا لكنه أدى، بالنتيجة، إلى تصدّع معلن بين السعودية والإمارات، وقد أعلن هذا التصدّع عن نفسه بوضوح في ما حصل بعد استيلاء قوات “المجلس الانتقالي” الجنوبي اليمنية المدعومة إماراتيا على محافظتي حضرموت والمهرة في أواخر تشرين ثاني (نوفمبر) الماضي، والذي تبعه هجوم عسكري ودبلوماسي مدعوم من السعودية أدى لتراجع عسكري وسياسي كبير للقوات الموالية لأبو ظبي.
انعكس هذا التصدّع أيضا على الساحة السودانية، التي تخوض فيها قوات الجيش، منذ نيسان (ابريل) 2023 معارك كبرى مع قوات “الدعم السريع” المدعومة من الإمارات، وبدا الموقف الإماراتي متعارضا مع الموقف السعودي الساعي لوقف النزاع، وإشراك الولايات المتحدة في هذا الموقف، وكان هذا أحد النقاط التي ناقشها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته إلى واشنطن في تشرين ثاني (نوفمبر) الماضي.
وضعت التطوّرات الفلسطينية، السعودية في موقع فاعل، حيث قادت مع فرنسا، حملة ناجحة لدعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وجعلها هذا تتقارب مع قطر وتركيا، اللتين دعمتا أيضا مواقف السعودية في سوريا ولبنان، وجغرافيات عربية أخرى، كما أن الموقف من السودان قارب بين السعودية ومصر، حليف الجيش السوداني، وتركيا، مما سمح لهذا المحور الجديد بفاعلية نراها في كثير من المواقف العربية، ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، موقف الرئيس الجزائري، أمس الأحد، الذي قال “إن أي مساس بالمملكة السعودية هو مساس بالجزائر”، والذي سبقه إعلان الجزائر وقف الرحلات الجوية مع الإمارات، أو موقف الحكومة اليمنية، المدعومة سعوديا، دعم “المجلس العسكري في السودان”.
من ذلك أيضا، ما ذكرته وكالة رويترز، وأكدته صحف أمريكية، عن تزويد مطارين في جنوب مصر بمسيرات تركية “لتأمين الحدود وشن ضربات عسكرية لحماية الأمن القومي”، وهو أمر يشير إلى تغير استراتيجي في الموقف الرسمي المصريّ من تركيا، كما أن ارتباطه بالتصعيد الجاري في السودان، يعيد ربط الخيوط ويشير إلى أسبابها العميقة.
صحيفة القدس العربي



