
لا يمكن لقارئ رواية «كريستال أفريقي» للروائي السوري الكردي هيثم حسين، الصادرة عن دار «عرب» 2025، في 230 صفحة من القطع المتوسط… فصلها عن ذلك التماسّ الحاد بين فضاءين: جغرافيا الكرد المحكومة بالتهميش، وأرض أفريقيا التي غدت بالنسبة إلى البطل ساحة اختبار ومصيدة في الوقت نفسه. فالمغامرة لا تنبع من فراغ، بل من سياق شخصي وجمعي يتشابك فيه القهر التاريخي مع غواية الوعد الجديد. من هنا فإن الرواية لا تُقرأ كمغامرة عابرة في قارة بعيدة، بل على أنها نص يكشف عن العلاقة بين المهمّشين في ضفتي المتوسط؛ بين كردي يبحث عن معنى وشرعية وجود، وأفريقيا المنهوبة التي تحولت إلى مرآة لخيباته.
المدخل إلى الحكاية يمر عبر شخصية ساردة تشكلت في بيئة منفية، بلا جنسية، وبلا سند، محكومة بالبحث عن شرعية ما خارج الحدود. في تلك الخلفية، تتجاور أصوات الجدَّات وأحلام الطفولة الكردية مع الذاكرة الثقيلة عن «العم أوصمان صبري» المنفيّ إلى مدغشقر، ناهيك بأكثر من ابن وحفيد يتتبعون أثر خطاه. وهنا تتبدّى قوة النص في جعله المنفى الكردي يلتقي بالمنفى الأفريقي، لا على صعيد الوقائع التاريخية فحسب، بل على صعيد البنية الرمزية التي تجعل الغربة قدراً مشتركاً. فالأرض الأفريقية التي تستقبل البطل لا تفعل ذلك بكرم الطبيعة فحسب، بل بوصفها أرضاً تعرف معنى المنفى والقسر، وتعيد للراوي صورته في عيون موظف المطار الضخم، أو في كلمات العجوز التي تذكرت «أوصمان». من هذه النقطة يصبح حضور الكرد في أفريقيا ليس حادثة عابرة، بل علامة على أن التهميش له جغرافيا عابرة للقارات، وأن ضحاياه يتعرف بعضهم إلى بعض وإن اختلفت أمكنتهم.
انطلاقاً من هذا، يمكن القول إن الرواية تجعل من أفريقيا فضاء اختبار لبطل الرواية، لكنها في الوقت نفسه فضاء موازٍ لقضيته الأولى. إذ لا تغدو مدغشقر أو مالي مجرد مكان للصفقات، بل أرض تحمل في تضاعيفها الذاكرة الكردية. في كل مرة يحاول فيها البطل -ابن مدينة عامودا- أن يتجاوز أزمته الفردية بالمال أو بالمغامرة، نجد أن تفاصيل المكان سرعان ما تعود لتذكّره بأن أفريقيا بدورها محمّلة بالخراب والنهب والخذلان. إنها القارة التي يعرفها الغرب كخزان ثروات ومسرح صراعات، لكنها بالنسبة إليه مرآة لحاله، حيث يتحول الأمل إلى فخ، والتحرر إلى سلسلة من القيود. من هنا فإن العلاقة بين الكردي والأفريقي لا تُبنى على ثنائية «غريب» و«مستضيف»، بل على تماثُل في المأساة، وعلى إدراك أن الحرمان لغة مشتركة.
المسار السردي يقدّم أفريقيا بوصفها بريقاً أول يَعِد بالثروة، قبل أن ينكشف عن مصيدة قاسية. في لحظة الهبوط الأولى في مدغشقر، حيث يكتشف البطل أن تصوّراته الاستعلائية تنهار أمام موظف مطار يتقن الإنجليزية بلكنة لندنية. هذه المفارقة ليست مجرد تفصيل، بل جزء من تفكيك الوهم الكامن في وعي القادم من الشمال. فالراوي الذي عاش صقيع المنفى اللندني، وظن أنه سيطلّ على أفريقيا من موقع الخبير أو الصحافي العارف، يجد نفسه عارياً من كل امتياز، ليغدو مثل أي عابر آخر يبحث عن الاعتراف. هذا الانكسار هو ما يمنح الرواية صدقها، إذ تجعل القارئ يرى أفريقيا لا كموضوع غريب يُستكشف، بل كمرآة تكشف عن عورات القادم إليها.
من هنا، فإن القراءة النقدية للرواية على المستوى البنيوي، تظهر أن النص يستثمر تقنية التنقل بين الحاضر والماضي عبر الاسترجاع، فيظهر المنفى الأفريقي امتداداً طبيعي للمنفى الكردي. الذكريات التي يستحضرها البطل عن بلدته الفقيرة، مسقط رأسه، بل عن شعوره المبكر بالهامشية، وعن فشله في متابعة التعليم لحرمانه من الجنسية، لا تنفصل عن اللحظة التي يقف فيها أمام موظف المطار في مدغشقر. إذ يتضح أن المأساة الشخصية ليست مجرد خلفية، بل هي البنية الداخلية التي تجعل من كل تجربة جديدة إعادة كتابة لانكسار أسبق. تأسيساً على ذلك فإن الرواية لا تنسج مجرد خط حدث، بل تبني شبكة من الانكسارات، تجعل من رحلة البحث عن المال رحلة في مواجهة الذات، ومن محاولة الخلاص الفردي مواجهة لجراح لا تنغلق.
الشخصيات الثانوية التي تمر عبر النص تؤكد هذا المعنى، فهي ليست مجرد أدوات لدفع السرد، بل علامات على عالم مشترك من القهر. فالعجوز التي تحدثت عن «أوصمان صبري»، أو الشاب الكردي الذي فتح مطعماً صغيراً في مدغشقر، يذكّران البطل بأن المنفى ليس حالة فردية، بل شبكة ممتدة من التجارب. من هنا فإن البطل، وهو يتورط في لعبة المال والتهريب، يكتشف أن أي صفقة مهما كبرت لا تستطيع أن تردم فجوة الحرمان الأولى. إنما ما يتكرر هو الخذلان، سواء من الشركاء الجدد أو من المصادفات القاسية؛ مثل فجيعة غياب الحبيبة «ميديت»، في حادثة تفجير الكنيسة التي نجا منها كل من آلن والراوي الكردي.
في ضوء كل ذلك، يمكن النظر إلى «كريستال أفريقي» على أنه نص يجمع بين الواقعية القاسية والحساسية الجمالية، ليكشف عن علاقة مركَّبة بين الكردي والأفريقي، بين منفى الشرق الأوسط ومنفى القارة السوداء. لأن الحلم الذي يبدأ بملايين الدولارات ينتهي -في التالي- إلى وعي مغاير مفاده أن المال لا يسوّغ الخلاص البتّة، كما أنه لا يبدد الخيبة بل يضاعفها، لا سيما أن البريق الذي يَعِد بالإنقاذ ووضع حد للماضي المرير يتحول إلى «كريستال» زائف، لا يلبث أن ينكسر هو الآخر في اليد، كما لعنة الحلم المتلاشي، تاركاً البطل والقارئ معاً أمام سؤال الهوية والمصير. وهكذا ينجح النص في أن يكون رواية عن أفريقيا بقدر ما هو رواية عن الكرد، وعن ذاك التلاقي الغريب بين طرفين يبدوان متباعدين جغرافياً، لكنهما متجاوران في قدر التهميش.
صحيفة الشرق الأوسط اللندنية