فن و ثقافة

سوريا الجديدة تختبر صوتها

مروة جردي

خلال نصف قرن من حكم حزب «البعث»، بقي الإعلام السوري أسيراً لنموذج مركزي صارم، يعتمد على التبعية لمركز حكومي واحد هو وزارة الإعلام و«الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون».

 

وكما كان «البعث» قائداً للدولة والمجتمع، كان الإعلام أيضاً تابعاً لهذا المركز. كان هذا مفهوماً ومقبولاً في مرحلة تأسيس الشاشات الوطنية في ستينيات القرن الماضي، حين كان الصوت واحداً، والصورة واحدة، والخطاب موحداً. إلا أن ذلك لم يعد كافياً بعد ظهور الأقمار الصناعية والإنترنت وانفتاح العالم، ما شكل التحدي الأكبر لإعلام لا يسمح بالمبادرات أو التغريد خارج السرب.

وكما اكتشف العالم «سوريا بلا بشار الأسد»، تبين فجأة أنّ سوريا أصبحت أيضاً «بلا إعلام»! كأن ما كان مجرد واجهة لهياكل قديمة انهار وانكشف في لحظة واحدة.

من «إباء» الثورة إلى «سانا» الدولة

في تلك اللحظة، لم تكن المنصات الرقمية مجرد بدائل للإعلام الرسمي، بل أصبحت لاعباً رئيسياً في إعادة تشكيل المشهد، وفرضت وجودها حتى على دمشق. أبرز هذه المنصات التي كانت ترصد عملية تحول في الخطاب والشكل بعيداً من الشاشات الرئيسية هو تأسيس «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً) وكالةً إعلامية باسم «إباء»، امتلكت قنوات على تطبيق تليغرام واستعملت حسابات على منصات التواصل لنقل أخبار الهيئة وأنشطتها التي بدأت مع زعيمها أبو محمد الجولاني آنذاك (أحمد الشرع اليوم) تقديم نفسها للغرب كنموذج للحكم. وبالفعل، فهذه المنصات التي بدأت على هامش الثورة، أصبحت فجأة عنصراً أساسياً في عملية نقل الأخبار وتفسير الأحداث، كأنّها تحمل معها لغة جديدة.

وسط هذا التحول، وصلت قوات «ردع العدوان» إلى العاصمة حيث كان الإعلام الرسمي يذوي تدريجاً، خصوصاً بعد توقف معظم الصحف الورقية في مناطق النظام بعد جائحة كورونا كالجرائد الرسمية الثلاث («البعث» و«الثورة» و«تشرين»)، وإغلاق بعضها الآخر لأسباب رقابية كما حدث مع جريدة «الأيام» الخاصة، وبقي التلفزيون الرسمي وفضائياته خارج المنافسة، مقتصراً على برامج ترفيهية أو دينية أو درامية، بعيداً من الاشتباك مع الواقع السياسي والاجتماعي. مع ذلك، كانت وكالة «سانا» تحاول القيام بحركة أخيرة عبر إثبات قدرتها على التكيف بسرعة، بتعديل هويتها البصرية وخطابها بما يتوافق مع الواقع الجديد.

الارتباك الأول: البيان رقم واحد

ولولا الحاجة الملحّة لدى السوريين إلى معرفة من هم القادمون الجدد إلى «قصر المهاجرين»، لما التفت كثيرون إلى اختفاء وسائل إعلام النظام السابق عن ترددات قمر «نايل سات». لكن لحظة السقوط دفعت الجمهور إلى البحث عن منصة رسمية قادرة على تقديم رواية واضحة عن المرحلة الجديدة، وخصوصاً عن مناطق الشمال السوري التي غابت أخبارها منذ اتفاقات خفض التصعيد عام 2018.

لكن لحظة الظهور الأول كشفت فجوةً كبيرة بين القادمين وأدبيات الانقلاب عبر الوسائط الرسمية. ظهر أول خطاب من السلطة الجديدة ركيكاً وهزيلاً في ما عرف بـ«البيان رقم واحد»، بثّه شباب بملابس مدنية عبر شاشة التلفزيون. في بلد اعتاد بيانات الانقلابات بصوت الجنرالات ولغة صارمة، بدا المشهد غير جدي في نظر كثيرين.

ومع انتشار خبر هروب بشار الأسد عبر مطار حميميم الخاضع للقوات الروسية، انفتح الفضاء العام فجأة. تحوّلت الهواتف إلى منصات تعليق وسخرية، ووجد السوريون أنفسهم للمرة الأولى بلا سقف رمزي للسلطة، يشاركون في صناعة المزاج العام حول «سوريا الجديدة» بعد إقصائهم منه لسنوات. وبدأت الملايين التي تراقب تحولات النظام من حولها عبر الشاشات الصغيرة لهواتفها تعبّر عن حاجتها إلى وجود شاشة رسمية محترفة جامعة لهم.

من «شماخ» بن لادن إلى بدلة الأسد

مع الخطاب الأول لزعيم «هيئة تحرير الشام»، الذي كشف عن اسمه الحقيقي، في قلعة حلب ثم الجامع الأموي، ونُقل عبر هواتف المواطنين، بدا أن الجدية السياسية بدأت تتشكّل. لكن رغم تقبّلهم لهذا الظهور في لحظة انتقالية، لم يكن السوريون مستعدين لاعتماد الهواتف والمنصات الرقمية كوسيط دائم للسلطة، خصوصاً بعد إعلان الشرع نفسه رئيساً للبلاد. من هنا، برزت المطالبة بوسيلة إعلام رسمية واضحة تُعيد إنتاج صورة الدولة.

هذا الأمر فرض على القوى التي وصلت إلى السلطة التخلي عن منصاتها السابقة، والتحول إلى إعلام رسمي باسم الدولة، بما يحمله ذلك من أعباء مهنية ومؤسساتية. بعد 14 عاماً من «صحافة المواطن»، بدا الانتقال إلى الإعلام المؤسسي تحدياً كبيراً، سواء على مستوى اللغة أو الأداء أو فهم دور الدولة الإعلامي.

هذا الواقع الجديد فرض تحدياً معقداً على الفاعلين الإعلاميين الذين نشأوا في سياق الثورة. فالإعلام الذي كان يُنتج لخدمة معركة أو قضية جزئية، بات مطالباً اليوم بالتحول إلى إعلام مركزي يخاطب مجتمعاً متنوعاً، ويؤدي وظيفة رقابية لا تعبوية.

والفرق هنا جوهري، فإعلام الفصائل كان يعمل بمنطق «نحن وهم»، ويبرّر الإقصاء، ويغضّ الطرف عن الانتهاكات إذا صدرت عن «الجهة الصديقة». أما إعلام الدولة، حتى في مرحلته الانتقالية، فيفترض أن يقوم على المهنية، والتوازن، والمساءلة، واحترام التعدد السياسي والإثني والطائفي.

ركزت الإدارة الجديدة على إعادة بناء صورة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، الذي قدم نفسه كرمز شعبي قريب من المواطنين، بعيداً من الرسميات والزي العسكري الذي كان معروفاً به خلال سنوات الحرب، وقد دفع بعضهم إلى تشبيه إحدى الصور الأولى التي ظهر فيها أمام العالم بزعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن. لكن الشرع ابتعد تدريجاً عن التشابه مع زعماء التنظيمات الجهادية، حتى وصل إلى العاصمة السورية وقدم نفسه للعالم بصورة جديدة، بذقن مشذبة وبدلة تبدو مستعارة من سلفه بشار الأسد.

قناة وجريدة رسميتان

خلال أشهر قليلة، ظهرت الإخبارية السورية كأول شاشة ناطقة باسم النظام الجديد، بفريق محدود وإمكانات متواضعة. وبعد تجاوز التحديات التقنية والمالية، أطلقت الإدارة الانتقالية القناة بحلتها الجديدة، في محاولة لاستعادة ثقة الجمهور بعد عقود من الإعلام العاجز، الذي تحول إلى مادة للتندر والسخرية بين السوريين بسبب عرضه برامج وثائقية عن عالم الحيوان عند كل مرحلة صعبة أو حدث مهم تمرّ به البلاد، بسبب تأخر التوجيه من القصر الرئاسي لمعرفة الموقف السوري من الحدث.

في العهد الجديد، بدت الإخبارية السورية مستعدة لتغطية كل تريند على منصات التواصل أو نقاش في الشارع السوري. ورغم أنها لا تزال عاجزة عن إدارة هذه التغطيات بأسلوب مهني واحترافي، إلا أنها «لا تدير ظهرها» للحدث. وتواصل التركيز على الأخبار والتحليل السياسي، والبرامج الخدمية والاجتماعية، مع فريق محدود يبتعد عن الوجوه المرتبطة بالنظام السابق.

في موازاة ذلك، عادت جريدة «الثورة» للصدور بهوية تربط بين الصحافة المطبوعة والمنصات الرقمية. تسعى إلى تقديم قراءة جديدة للمشهد الاجتماعي والسياسي، بعيداً من منطق «نحن وهم» الذي ساد إعلام الفصائل المسلحة خلال الثورة، لتنضم بذلك إلى صحف أخرى بدأت تباع في السوق السورية مثل جريدة «العربي الجديد» التي كانت من أوائل وسائل الإعلام التي دخلت البلاد بعد سقوط النظام.

ورغم المحاولات السابقة، وقع الإعلام الجديد في فخ التغطية المتحيزة أحياناً، خصوصاً في قضايا طائفية وأمنية حساسة مثل مجازر الساحل والسويداء وتفجير الكنيسة في دمشق. كان الخطاب منحازاً وأحياناً مضخّماً لخسائر طرف دون آخر، ما كشف عن ضعف السياسة الإعلامية في حماية المدنيين وإيصال صورة متوازنة للواقع.

منصات من الخارج: نفوذ إقليمي ووجوه قديمة

بينما كانت بعض المنصات تحاول المحافظة على مسافة من النظام، واصلت منصات أخرى العمل في الداخل السوري، وساعدت على انتشار روايات متعددة، بعضها متناقض مع الرواية الرسمية، بينما دعم بعضها الآخر هذه الرواية، بحسب جهة التمويل. خارج البلاد، شهدت بيروت هجرة عدد من الشخصيات الإعلامية المحسوبة على النظام السابق، التي آثرت متابعة عملها الإعلامي من خارج الحدود، كما في حالة راديو «شام أف أم» الذي صودر مقرّه في دمشق.

بعد توقف عدد من المنصات العاملة داخل سوريا، خصوصاً تلك الممولة من روسيا وإيران، شهد المشهد الإعلامي السوري بروز منصات خارجية تموّلها هذه الدول إضافة إلى رأسمال خليجي إماراتي وسعودي، بدا مهتماً بالحفاظ على مسافة من نظام لم يستقر بعد. هذه المنصات تعتمد على إعلاميين سبق لهم العمل ضمن النظام السابق ومن أبرزها: «سوريا توك»، و«أنا سوريا»، و«سيريا ون».

أما داخل البلاد، فبرزت منصة «سوريا الآن»، التابعة لـ «الجزيرة»، التي ضمت وجوهاً إعلامية بارزة مثل فيصل القاسم وأحمد الفاخوري، إلى جانب وسائل الإعلام الخليجية التي بدت مسيطرة على المشهد السوري بعد السقوط خصوصاً «سكاي نيوز» و«العربية» و«الجزيرة» و«العربي». تُظهر هذه التحولات كيف أصبح الإعلام السوري مسرحاً لتقاطع النفوذ المحلي مع الإقليمي، وكيف يمكن للتمويل الخارجي أن يُعيد تشكيل سرديات الحرب والسلم داخل الدولة الجديدة.

ورغم اتساع هامش حرية التعبير، يُسجّل غياب الأطر القانونية المنظمة. رغم فتح باب التراخيص بالعمل للجميع، إلا أن بعض القنوات كـ «الميادين» و«روسيا اليوم» لا تزال عاجزة عن استئناف نشاطها في سوريا.

بعد عام من سقوط النظام، لا يمكن تحديد ما إذا كانت الحرية التي تهبّ على المشهد الإعلامي السوري دائمة أم مجرد انتكاسة. المشهد الإعلامي السوري اليوم يجمع بين المؤسسات الرسمية الجديدة، والمنصات الرقمية المحلية والخارجية، والإعلام الشخصي والمؤثرين، مع استمرار النفوذ الرقابي للدولة بشكل محدود، وسيطرة الشخصيات المحورية على الخطاب. هذا التشكيل الغريب يخلق شعوراً بوجود حرية غير مقنّنة. لذلك، فنجاح المرحلة المقبلة يعتمد على قدرة السلطات على الانتقال من نموذج الإعلام الرقمي الشخصي والهش إلى مؤسسات إعلامية مهنية وشفافة، قادرة على استعادة ثقة الجمهور وتحقيق التعددية والمسؤولية المهنية وتقديم خطاب جامع.

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى