علي سالم البيض والخصومة مع إيران

لم يتصور علي سالم البيض، آخر رئيس للدولة اليمنية الجنوبية، وأول نائب لرئيس اليمن الموحد، أن يضطر وهو في عامه الـ76 للخوض في انعطافة سياسية قد تكون الأكثر حدية في تاريخه، منذ سابقتها الشهيرة يوم 21 أيار 1994، اليوم الذي اندلعت فيه الحرب الاهلية اليمنية، والتي استمرت حتى السابع من تموز من العام ذاته، واضطر بعدها للرحيل قسراً، إثر خسارته الحرب، إلى سلطنة عمان المجاورة، التي منحته اللجوء السياسي ثم الجنسية بشروط تتضمن عدم قيامه بأي نشاط سياسي.
الرجل حافظ في العقدين الأخيرين على نسق واحد في ادائه السياسي، خاصة من خلال سياسة التقارب التي اعتمدها مع أطراف إقليمية من خارج المظلة التي تمتع بها لسنوات غريمه علي عبدالله صالح. البيض عمل على نسج علاقة «عميقة» بالجمهورية الاسلامية الايرانية من خلال وسطاء أمنيين، بعد اندثار الحليف الأبرز، المتمثل بالاتحاد السوفياتي. وكان منذ بداية العام 1991، وهو العام الاول للوحدة اليمنية، قد أرسل مبعوثا «جنوبياً» من جهاز الأمن السياسي إلى طهران بهدف «التعارف» وبناء الثقة، وهي عملية استغرقت ثلاثة أعوام متتالية من الزيارات المتبادلة، التي نشطت وبنجاح فاق الحواس الأمنية للرئيس صالح، لكنها بطبيعة الحال لم تكن تحركات ذات ثقل إستراتيجي. ففي الوقت الذي فتح البيض قنوات مستقلة عن صنعاء للتواصل مع الخارج، كان الرئيس صالح ينفذ مخططاً لإمداد قواته الموجودة في الجنوب وزيادة عديدها بشكل سري وتدريجي حيث وصل «لواء العمالقة»، وهو من أبرز أسباب «هزيمة» البيض في حرب 1994، من 4 كتائب إلى 14 كتيبة معززة.
التواصل بين علي سالم والقيادة الايرانية استمر طوال سنوات إقامته في مسقط، وإن بوتيرة أقل حرارة من أيام حكمه الى جانب صالح في صنعاء. فالدافع الايراني كان دوماً محاولة اللعب على تحالفات إقليمية تضمن تقليم الاظافر الخارجية للنظام العراقي بقيادة صدام حسين بعد انتهاء الحرب الإيرانية – العراقية. وبما أن صالح كان حليفا وصديقا لبغداد، كان البيض أقرب النماذج الحاضرة للخوض في تناقضات الساحة اليمنية، الا أن ثقله في الميزان الايراني تراجع بعد لجوئه لعمان، في مقابل برودة ابدتها طهران في التعاطي مع الملف اليمني منذ ذلك التاريخ.
قبل ست سنوات وفي ذكرى الوحدة بين شطري اليمن، أبلغ علي سالم البيض الايرانيين بأنه سينتقل الى أوروبا. حينها كان علي عبدالله صالح قد اضحى في المفهوم الايراني «خصماً خالصاً»، بعد خوضه 6 حروب ضد أصدقاء طهران من الحوثيين. في ايار 2009، توجه البيض إلى فيينا وأعلن نيته السعي لفك الارتباط بين جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، مطالبا الدول العربية والعالم بتأييد مطالبه، ومعلناً في الوقت ذاته تحالفه مع مكونات الحراك الجنوبي كافة. وبهذا أحيا الرجل فكرة ايرانية بدأت مع مؤسس حركة «أنصار الله» حسين بدر الدين الحوثي، تقضي بخلق طوق يمتد من صعدة إلى عدن بهدف إذابة نظام صالح، وسحب «العقيق اليمني» من الصندوق السعودي.
الود المتعاظم بين «الحراك الجنوبي» وتيار البيض تقاطع بشكل واضح مع «الرؤية» الايرانية في اليمن مع بدايات إرهاصات «الربيع العربي» بنسخته اليمنية. فالمسافة التي أبقاها الحراك من الحوثيين و «تجمع الإصلاح» في الشمال، في موازاة تكثيف الاحتجاجات في الشارع، خلقت واقعاً يمكن البناء عليه لتسديد ضربة قاضية لنظام الرئيس حينها علي عبد الله صالح المدعوم «خليجياً»، باستثناء قطر التي كانت أقرب للحوثيين وللشق «الإخواني» داخل الإصلاح، حيث فرز هذا الواقع دعماً شبه مفتوح من قبل الإيرانيين لمكونات الحراك الجنوبي، وبالتحديد للزعيم الجنوبي علي سالم البيض، الذي آثر دوماً أن يُذكر إلى جانب الحراك في البيانات والتحركات لا ان يذاب فيه.
وخلال السنوات الخمس الماضية، شهدت العلاقات بين البيض وطهران تطوراً قياسياً تمثل بحصوله على تمويل شهري لمكتبه السياسي في العاصمة اللبنانية بيروت، بموازاة تمويل طهران من خلال «اتحاد الاذاعات والتلفزيونات الاسلامية» لقناة «عدن لايف»، التي انطلقت وبثت من بيروت طوال السنوات الماضية، ومثلت الدعاية السياسية للبيض ولـ «الحراك الجنوبي»، الداعية لانفصال الجنوب وفك الارتباط مع صنعاء.
لم تشهد سنوات الحراك الشعبي ضد الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح أي صدام على المستوى السياسي بين الحوثيين والحراك الجنوبي أو البيض، خاصة أن الاخير حافظ على قنوات اتصال دائمة بـ «أنصار الله»، بالتحديد في المرحلة التي تلت المبادرة الخليجية وخروج صالح من الحكم. وربما كان لاختيار عبدربه منصور هادي رئيساً دور في تعزيز هذا التعاون أو التواصل. فهادي شخصية «جنوبية» طرحها الخليجيون لمحاولة استمالة عدن ولتمرير مطالب «الانفصال» في آلية حوار تكفل تمييعها في وقت لاحق، إضافة الى كون الرئيس الجديد من الشخصيات التي يتهمها البيض بالوقوف الى جانب علي عبد الله صالح في الحرب الأهلية اليمنية العام 1994.
وفي موازاة الواقع هذا، جاءت سيطرة «انصار الله» على صنعاء في 21 أيلول 2014 لتحدث تغييراً درامياً تكفَّل بإعادة خلط الاوراق. فالحوثيون تحولوا بين ليلة وضحاها الى حكام لصنعاء، وبالتالي باتوا الطرف المتلقف لمطالب الانفصال. وفي خضم الأحداث وتسارعها، ومع فشل اتفاقية «السلم والشراكة» في تثبيت حل موقت للأزمة واستقالة الرئيس هادي ثم «لجوئه» إلى عدن، بات علي سالم البيض أمام واقع تصادمت فيه أجندته السياسية بتحالفاته الداخلية والإقليمية.
ومع تحول الأحداث الى حرب أهلية بالمفهوم الوحدوي لحدود الدولة اليمنية، وحرب شمالية جنوبية في إسقاط الوقائع التاريخية على الحاضر، فشل البيض في ممارسة تدوير ولو موقت لزوايا الأزمة. وربما ساهم الإصرار الايراني على موقف واضح من «عاصفة الحزم» في انعطافته السياسية الأخيرة. فالرجل، وبعد أيام قليلة من الصراع العسكري، أيقن أن «اللجان الشعبية» التابعة لهادي قد سقطت عسكرياً بشكل كامل، وأن الحراك الجنوبي بات المكون الاساسي للميليشيات الشعبية التي تحارب الجيش والحوثيين في عدن بالتحديد. وأمام هذا الواقع، وجد نفسه صاحب الفرصة الأكبر في اقتناص النقاط. فالمنافس الجنوبي صاحب الشرعية الخليجية لم يعد موجوداً على الأرض، فيما القيادات الشابة للمحاور قد تتحول مع مرور الزمن الى أسماء لامعة يمكن الركون اليها في تفاوض ما بعد المعركة. وقبل أن يسحب البساط من تحت أقدامه، أشهر البيض «ردته» عن التحالف مع إيران، معلناً تأييده للضربات السعودية.
وفي وقت قياسي، تحولت الصداقة العميقة «غير العلنية» بين البيض وطهران الى خصومة بكل مفاعيلها، حيث أوقف التمويل الايراني لمكتبه في بيروت في وقت سبق «عاصفة الحزم» في أعقاب بعض البيانات التي وصفتها أوساط ايرانية بـ «غير الواضحة»، صدرت عن الرئيس الجنوبي السابق ثم نفيت في وقت لاحق. وفي أحدث صور الاختلاف، أوقفت قناة «عدن لايف» عن العمل في بيروت وسرّح طاقمها، فيما استعاد البيض بثها من خارج لبنان، مع تغيير جذري في خطابها السياسي بشكل مطابق للقنوات العربية الخليجية. وترافق الأمر مع حراك سياسي في فنادق القاهرة وفيينا لقيادات جنوبية «منفية».
يقف البيض في ظل انعطافته الأخيرة هذه أمام مفترق طرق لا يقل حدية عن اتخاذ قرار الانعطاف أساساً. فخيارات الرجل «الوطنية» باتت اليوم أمام امتحان شديد الصعوبة، حيث لم تخرج عن الرياض أي إشارة بقبولها للأجندة «الانفصالية» التي يمثلها البيض. فيما يمكن لأي قبول بحلول لا تشمل الحديث عن فك الارتباط، ان يؤدي الى انسلاخ بين البيض والحراك الجنوبي من جهة، والقاعدة الشعبية التي تعمل على الارض في مواجهة الجيش اليمني والحوثيين من جهة أخرى. والتحدي الآخر الذي سيواجه التوجهات الجديدة هذه، انطلق من قراءة مبسطة لتيار البيض، مفادها هزيمة كاملة للحوثيين يتبعها حل مفروض من الخارج على شاكلة المبادرة الخليجية. وبالتالي فإن القطيعة مع ايران قد تعني قطيعة أكثر عمقاً في الداخل اليمني، مع عدو الأمس واليوم الرئيس السابق علي عبدالله صالح، ومع الحوثيين وتحالفاتهم الاقليمية. وهذا ما من شأنه أن يخلط الاوراق في «تخريجة» ما بعد الحرب والأوزان التي ستوزع على أطراف النزاع.
كما يمكن لقضية التنظيمات المنبثقة عن «القاعدة» أن تشكل عامل ضغط اضافياً على مستقبل «الزعيم» صاحب الموروث الاشتراكي. اذ بات التوسع «السلفي الجهادي» واضحاً في مختلف محافظات الجنوب، بشكل يهدد باستنساخ التجربة العراقية في عدن وجوارها. وفي ظل غياب واضح عند «الحراك» لرؤية حالية أو مستقبلية ناجعة لضرب الجماعات الارهابية، بمعزل عن معارك الاخيرة مع الحوثيين والجيش في مأرب وبعض مناطق حضرموت، قد يطول المنفى القسري للبيض، وتبدو معه إمكانية خلق «رقعة آمنة» في المحافظات الجنوبية فكرة بعيدة المنال.
صحيفة السفير اللبنانية



