كتب

«فوق رأسي سحابة» رواية المصرية دعاء إبراهيم: التدرّج السردي وإكمال الحكاية القديمة الناقصة

عادل ضرغام

تقدم الكاتبة المصرية دعاء إبراهيم في روايتها «فوق رأسي سحابة» مساحات متجاورة ومتعانقة بين الواقعي والخيالي، بسبب الطفولة التي تعرضت لحادث انتهاك مبكر، ففقدت الشخصية النسائية الرئيسة انسجامها، وتزلزلت وتهشمت آلياتها المؤسسة في مقاربة الطفولة للعالم. رواية تعيد الاشتغال على حادثة السقوط من الجنة، وكأنها من خلال هذا التوجّه الكتابي تشير إلى استمرار هذه الحادثة، وتميط اللثام عن مشروعية استمرار هذه الحادثة في سياقات مختلفة، وفي أشكال عديدة كاشفة عن التشظّي، والخروج عن الإطار العام المتفق حوله بوصفه الوجود المقبول.

 

هي رواية القاتلة أو القاتل المتسلسل الذي يقوم بجرائمه بهدوء وبدون جلبة، فهي تعاين وتؤسس وسيلة الانتقام الهادئ، لكن الشخصية النسائية في النص الروائي لا تنتقم من الشخصيات التي انتهكت جسدها رجلا كان أو امرأة، بل تنتقم من الشخصيات التي تسببت بتقصيرها في أداء دورها في حدوث هذا الانتهاك بشكل دوري متكرر، مثل الأب أو الأم، ولم يدخل داخل دائرة انتقامها شخصيات لها دورها الفاعل في الاعتداء على الجسد، مثل الخال، ومثل صديقتها أو رفيقتها اليابانية.

هذه المغايرة التي تمثل خروجا لكل ماهو سائد ومؤسس تضع الرواية داخل سياق خاص، حيث يؤهلها لتكون نموذجا للروايات النفسية التي تتطلب إصغاء واسعا لكل هذه التوجهات الغريبة التي تزلزل المستقر، وتجعلنا نعيد النظر في الوضع النهائي لشخصيات لها مدّ دلالي إشعاعي، مثل قابيل وهابيل، وللغراب الذي تحوّل إلى التجلّي الأسود والنهائي المتولّد عن مساحات الانتهاكات، وكأن كل حالة من حالات الانتهاكات تتعرض لها الشخصية الرئيسة تنبت جزءا من أجزء الغراب في حضوره المتخيل أو المؤسس طوال صفحات الرواية.

لا تعيش بطلة الرواية نهى الممرضة أو رئيسة الممرضات خالية من أثر الماضي، وهذا شيء طبيعي أن يشكل الماضي جزءا من توجهاتنا، ويصبح فاعلا في خياراتنا وانحيازاتنا، لكن الماضي في حالة نهى يأتي مطبقا ومهيمنا، لأنه مشفوع بعقد نفسية، وإرباك في المفاهيم، ومقاربة جديدة تعيد التفكير في المتخيل المستقرّ، للعمل على اختراقه، أو على الأقل التقليل من شأنه أو قداسته. فالخال الذي يمثل أمانا يتحوّل إلى وحش، وكذلك يتحوّل مفهوما الأبوة والأمومة إلى تجليات مغايرة، متباينة عن السائد والمعهود.

الماضي في هذه الرواية في الأساس، له قيمة مؤثرة، ولا يفلح تغيير مكان البطلة أو الوطن أو البيئة من مصر إلى اليابان في بحثها عن والدها، في انعتاق شخصية بطلة الرواية من هذا الماضي، فقد ظلّ رازحا ومؤثرا في تقديم الرؤية وتضييق منظور ارتباطها ومقاربتها بالعالم، لأنه مسّ داخلي. فالذات الساردة موزعة في تموضعها داخل العالم في حدود دافعين متقابلين، فليست هناك معاينة واندماج ساكنان كاشفان عن أفق متحرك للأمام، بل نجدها حركة بطيئة مغلولة قريبة من الثبات.

تيّار الوعي والتدرّج البنائي

اعتماد الرواية على تيار الوعي الذي يتطلب انتباها شديدا للتفريق بين الماضي والحاضر الكاشف عن حركة السرد النامية البطيئة، كان له تأثير لافت على تشكيل العالم السردي للشخصيات وإشكاليات عوالمها، لآن هذه الآلية تجعل حركة المعنى في انفتاح دائم للإضافة والتعديل، فليس هناك شيء منجز ونهائي. فالنص يحاول إكمال أشياء تتفلت، لأنها رهيفة، وكل معاينة أو عودة يتمّ الإمساك بجانب منها، ولكن تظلّ هناك جوانب غائرة تتبقّى، فتتولّد نتيجة لذلك رغبة وحتمية للعودة، وإعادة المقاربة مرة بعد مرة.

فالتوالي في الحركة بين حركة الماضي وانشغال الذهن في آنيته بالنسبة للشخصية، له دور فاعل في إكمال فعل القتل الذي تقوم به. فارتداء فستان الأم القرمزي بوصفه كاشفا عن اهتمام الأم بجسدها وحياتها وإهمالها للطفلة البطلة، وتذكّر العدد الكثير من زوجاتها وانشغالها بهم يمثل قوة ضاغطة نحو فعل القتل الذي تقوم به البطلة لأمها من جانب، ومن جانب آخر يمثل إعادة شحن لصورة الغراب/ صوت الداخل الأسود، ذلك الطائر المتخيل الذي تصنعه في كل عودة إلى ماضيها وتشكيلها لهذا الماضي. فهذا الغراب الذي ينعق مع كل عملية قتل تقوم بها (ستموت/ سيموت الليلة) ثلاث مرات، يحدد لها في كل مرة الشخص المقتول وزمن هذا القتل.

الحكم على الفكرة في ظلّ ذلك التوزع مموّه لا يركن إلى يقين، واستنبات اليقين من خلال العرض السردي الذي يحمل الشيء ونقيضه، يحدث بالتدريج وبالبناء الجزئي المتقطع والمتراكم، بالمقاربات العديدة أو ببناء فعل التذكر مرة بعد مرة، وفي كل مرة تقدم المقاربة جزءا جديدا يؤسس مع السابق وجودا غير مكتمل ليقين ما. يمكن أن نجد هذا التدرج المفتت في بناء البطلة (نهى) لعلاقاتها مع معظم الشخصيات، سواء قامت بقتلها، مثل الأم والأب وحارس البوّابة في المستشفى التي تعمل بها، أو الشخصيات التي تماهت معها خوفا منها أو ازدراء لذاتها مثل شخصية الخال، أو إشفاقا بسبب المشابهة مثل صديقتها اليابانية.

ففي تشييد علاقاتها بحارس البوّابة، نجدها في المرّة الأولى تصف ابتسامته قائلة (ابتسامة أعرفها وأكرهها) ففكرة الكراهية هنا تؤسس لرؤية، وتشير إلى أن هناك حكاية ما، حكاية لها وضع خاص، لكنها لم تكشف عنها في دفقة واحدة كافية. يختار النص السردي كلماته وفق تدرّج يفتح الباب للقارئ لكي يدرك شيئا ما، لكنه شيء غير مكتمل، شيء ناقص بالرغم من كونه ناتئا عن أسس السلوك المعهودة بين ممرضة وحارس أمن.

التدرّج والتقطير هما أساس الحركة السردية في هذه الرواية، وهذا قد يكون نابعا من التشويش النفسي للشخصية، ومن اختيار الآلية المناسية للإفضاء السردي الذي يأتي متعرجا وغير مباشر. ولكن هذا الارتحالات السردية أو الانتقالات بين الخيط السردي النامي البطيء، والارتدادات المرتبطة بتيار الوعي مبنية وعي خاص دقيق، قائم على القطع المرتبط بطبيعة إدراكه أو الوعي به حتى من الشخصية التي تتعرض للانتهاك الجسدي المثلي. فمشهد السحاق بين البطلة والفتاة أو الصديقة اليابانية- وهو فعل من أفعال الانتهاك- يقدم بشكل يقوم على القطع المتعمد، لكي تشوّش على القارئ وعيه المكتمل، فيظلّ في مساحة الأعراف بين اليقين وفقدانه.

ويمكن للقارئ المتأمل أن يعاين هذا النمط السردي التدرجي القائم على القطع والبتر والإكمال على مراحل أو دفقات متباعدة مع كلّ الشخصيات الأخرى، وطبيعة ارتباطها بالساردة الفعلية في النص، مثل حكايتها مع الخال، أو مع الأب أو مع الأم، فالتدرّج مناسب للوعي المشوّش الذي يبنى بالتدريج من التناقضات. فحكاية الخال مع البطلة الساردة لم تقدم كاملة، بل توزعت إلى دفقات سردية محسوبة على مسافات متباعدة داخل النص، منها ما يقف عند حدود الإيحاء بالفعل، مثل حادثة البحر، ومنها ما ما يرتبط باليقين بالفعل في جولات سردية متجاوبة تالية.

وهذا يوجّه القارئ نحو التوازيات التي تؤسس لها الرواية بوصفها رابطا بين الشخصيات، وتوحيدا لطبيعة النظرة، وإضفاء نوع من مشروعية للسلوك الذي تنتهجه. منها على سبيل المثال الربط بين حارس أمن المستشفى والخال، والربط بين البطلة نهى وقابيل. وفي التوازي الأخير نشعر أن هناك تحويرات للقصة الدينية المعروفة، ومن ثم يلحق بالقاتل (قابيل) والقتيل (هابيل) نوع من المغايرة مع المستقرّ والمؤسس. فالقتل في القصة القديمة في منطق الرواية كان عملا مبررا، والمشابهة بين فعلي القتل القديم والآني في النص الروائي، تشير إلى اهتبال التبرير الذاتي لانتقامها. ولتأكيد ذلك تطرح السؤال الخاص بهذه القصة في المتخيل الديني بوقفها عند حدود الحادثة، ولم تشر إلى ما سبقها أو إلى ما تلاها من أحداث.

تكرار السقوط وإكمال الحكاية الناقصة

في هذه الرواية- وفي الرواية التي سبقتها- هناك تركيز على المنبوذين أو المهمشين، هؤلاء الذين يجرحون مؤسسا عرفيا، ولا يملكون صوتا للدفاع عن أنفسهم ضد الإجماع والشيوع، وضد الخطاب المتفق حوله، ولهذا يمكن تبرير الاتكاء على شخصية قابيل في وجودها الطيفي أو المتخيل في النص، وكأن كليهما- نهى وقابيل- امتداد للآخر، أو وجهان لعملة واحدة، في إضفاء مشروعية القتل الذي لم تكشف عن أسبابه المرويات أو السرديات التي تحذف وتعدل من أجل الفكرة أو الهدف.

يتساوق ذلك مع الاغتراب الخاص بالنوع (الأنثى)، والاغتراب الخاص بالجسد، فليس هناك ارتباط صحي بالواقع يؤسسه وجود الأب أو الأم. وفي ظل غياب الدور أو الوظيفة بكل منهما يحدث نوع من التشوّه النوعي البيولوجي، تقول الرواية على لسان البطلة نهى: «خفت إعجابي بصوتي الرفيع الأنثوي، وراح حبّي لكوني خلقت فتاة، ولا ذكر بشارب وصوت خشن، كأن روحا أخرى تلبستني، روحا تكره وجودها داخل هذا الجسد».

الاغتراب عن الجسد في النص الروائي وثيق الصلة بالخروج عن النمطي المعهود في اكتساب الوعي، وبغياب المرور بالمراحل الطبيعية في النمو والتشكل، وغياب النماذج الحامية الكافلة. ومن ثم نجد الساردة تتوقف في بعض اللحظات عند هذا الغائب نتيجة للاغتراب عن الجسد، مثل عدم مرورها بمعاكسة الأولاد في المدارس المجاورة، وكأن في ذلك نمطية معهودة منتظرة، وغيابها خرق للشعور وطبيعته.

تؤسس الرواية لتلك المغايرة وهذا الاختلاف بوصفهما امتدادا لتكرار السقوط الأول، والسقوط هنا خروج من الانسجام، ومن نمطية أو نسقية جاهزة للسير على مرتكزاتها ومحطات الوعي بها، فهناك في هذا النص اشتغال على هزّ المفاهيم مثل الأمومة والأبوة، والبيت بوصفه سكنا وأمنا. وهذا يجعلنا نعيد النظر في العنوان «فوق رأسي سحابة» بوصفه علامة دامغة للمغتربين عن أنفسهم، وفي زمنهم، وللمهمشين الذين يكتسبون ميزة لتعويض النقصان الذي يعانون منه، ويحاولون التعاظم عليه، والانفكاك منه بالوسائل المتاحة الكاشفة عن الاختلاف.

إن حضور السحابة- وإن كان ذا دلالة إيجابية في بعض السرديات الدينية- جاء للتعويض عن الفقد في أشياء عديدة، الفقد المتوّلد من مغايرة السياقات المحيطة، وغياب القدرة على الفعل أو المقاومة. ففي هذا النص- كأنها إشارات متجاوبة لتعميق الإحساس بالاختلاف- سوف تطالعنا إشارات كثيرة عن الفقد الخاص بكل الأشياء السوية التي تمرّ بها الفتيات، لكن النص يركز على الأشياء النافذة البسيطة التي يمكن أن تشكّل مطلبا إنسانيا عاما، وكأن الرواية توجهنا نحو تأمل فعل الزلزلة التي تجابهها البطلة بردّ فعل مساوٍ، وتوجهنا أيضا نحو تأمل المفقود، لأنه بدون الوعي بهذه الأشياء المفقوة العديدة، سيظلّ فعل القتل الذي قامت به بشكل متسلسل- حتى لو كان خيالا- ناتئا وبدون مبرر.

يكمل النص الروائي أو يرمم في إطار التبرير والتفسير لمشروعية القتل حتى لو كان تبريرا أو تفسيرا ذاتيا متخيلا، الجزئيات الناقصة بحكاية البشرية الأولى للقتل، حكاية قابيل وهابيل، ويلحّ على أن فعل القتل لم يكن على النحو المنتزع من السياق في القصة أو في القصص الدينية. النص هنا يهشّم المؤسس، في سبيله لتحبيك ما يدعم أفكاره. ففي الحوار الدائر بين البطلة وقابيل وهي في زنزانتها باليابان، ندرك أن فعل القتل الذي قام به قابيل- ويتكرر حدوثه بأشكال مختلفة على مرّ الأزمنة- ناتج عن الكراهية التي يتأصل شعوره بها قبل فكرة القتل. فهو يرد على البطلة بشيء من السخرية حين تسأله: من فعل بك ذلك؟ شفتك تنزف.. يرد: أحد الشرفاء.

وفي التأكيد على قيمة الفقد، فقد المحبة والإطار المتساند تتوجّه الرواية نحو نموذج شبيه، لينضم داخل أطار الشخصيات التي تقارب حياتها قديما وحديثا داخل نقصان ما. هذا النقصان يمكن أن يكون بالاغتراب عن الجسد وعن الروح الجمعية المتفق حولها، كما يمكن أن نلاحظ في شخصية نهى ومحيطها الكاره واللافظ في مرحلة الطفولة، وهو انتهاك يترك أثره الدائم في السحابة التي تلازمها، أو في حالة صديقتها اليابانية المشوّهة جسديا بفعل الذكورة المهيمنة والغائبة جسدا في الآن ذاته. وهناك- أيضا- النماذج التي تخرج من إطار عاديتها إلى المغايرة في نهاية عمرها بفعل الفقد.

وقد يلمح القارئ بدايات هذا النموذج الذي يعالج الحياة بالقصور الذاتي في مقاربة الرواية والبطلة لشخصية ياسو سان، وهي شخصية ظلت دائرة وآمنة في محيطها العادي المنسجم مع السياق، إلى أن توفيت زوجته في إعصار ما. يسدل النص انطلاقا من هذه الجزئية الخاصة بالفقد في السنّ المتأخرة مساحات الاختلاف، حيث يجد القارئ الشخصية تقارب الحياة وهي متلبسة بالسكون، ومنعتقة من الارتباط بالحياة، أو من سلطة المتخيل أو التعلق بالقادم. فالفقد والانسلاخ عن المجموع يلوّنان ويشكلان سمات الوجه الموضوع في حيّز المراقبة من البطلة بوصفه نموذجا شبيها أو قريبا، يذكرها بأزمتها الممتدة والمرتبطة بفقدان الانسجام في التعامل مع العالم الكبير بكل تناقضاته.

دعاء إبراهيم: «فوق رأسي سحابة»

دار العين، القاهرة 2025

200 صفحة.

صحيفة القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى