قلق إسرائيلي من التحوّلات الأميركية: لإعادة صياغة «فائدتنا الاستراتيجية»

شكّل «مؤتمر هرتسليا 2026»، الذي نظّمه «معهد السياسة والاستراتيجية» في «جامعة رايخمان» ، منصّةً لإعادة طرح العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وذلك في ضوء التوترات التي أعقبت توقيع مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، وما رافقه من توسّع في النقاش داخل إسرائيل حول حدود الدعم الأميركي واتجاهاته المستقبلية. اللافت أن المؤتمر لم يعدّ الدعم الأميركي التزاماً ثابتاً أو مضموناً بلا شروط، بل تعامل معه بوصفه ملفاً استراتيجياً قابلاً للمراجعة والاهتزاز. وهذا ما عكسته الجلسة المخصّصة للملف، والتي ظهّرت قلقاً إسرائيلياً متزايداً من التحولات داخل الولايات المتحدة، سواء مع صعود خطاب «أميركا أولاً» في «الحزب الجمهوري»، وما يحمله من ميل إلى مراجعة كلفة الالتزامات الخارجية، أو مع تنامي التيارات النقدية لإسرائيل داخل «الحزب الديمقراطي». ومن هنا، بدا النقاش أبعد من كونه بحثاً في حجم المساعدات الأميركية أو استمرارها؛ إذ لامس أسئلة أعمق وأكثر وجودية، من بينها: كيف تستطيع إسرائيل الحفاظ على الإجماع الأميركي حولها؟
في هذا السياق، تعدّى النقاش كيفية قراءة إسرائيل لملفات إيران وغزة ولبنان، إلى نظرة الحليف الأميركي إلى تلك الملفات، التي يبدو حضوره فيها مرتبطاً بمسعى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بعد الحرب، وهو ما يفرض تقرير موقع إسرائيل في هذه العملية. فالولايات المتحدة لا تسعى، بحسب ما تمّ تظهيره في المؤتمر، إلى إدارة الصراع فحسب، بل إلى هندسة المرحلة التي تليه، وذلك تحت عنوان تحقيق «السلام»؛ وهو اتجاه تعانده إسرائيل، وترى فيه أخطاراً كبيرة على مصالحها الأمنية والاستراتيجية في المستقبل.
في هذا المناخ، سعى السفير الأميركي لدى كيان العدو، مايك هاكابي، إلى احتواء التوتر الدبلوماسي غير المعتاد بين واشنطن وتل أبيب، لا سيما بعد الانتقادات الحادة التي وجّهها نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، إلى حكومة بنيامين نتنياهو، على خلفية اعتمادها المالي والعسكري الواسع على الولايات المتحدة. وفي خطاب ألقاه في المؤتمر السنوي نفسه، أكد هاكابي عمق الشراكة بين الجانبين، وقال إن «العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليست طريقاً في اتجاه واحد»، مضيفاً: «أحياناً يقول أشخاص في أميركا، وربما هنا في إسرائيل أيضاً، إن أميركا تفعل أموراً من أجل إسرائيل. أريد أن أكون واضحاً جداً: إسرائيل تفعل الكثير من الأشياء من أجل أميركا، وأنا أقدّر ذلك». وأشار إلى أن «هناك فوائد نحصل عليها في التكنولوجيا، وفوائد نحصل عليها في الزراعة، وفوائد نتلقّاها بسبب علاقة الاستخبارات التي تتشاركونها معنا. هذا ينقذ الأميركيين ويحميهم ويعتني بهم في أنحاء العالم». وفي معرض حديثه عن الابتكارات الإسرائيلية التي دخلت حياة الأميركيين اليومية، اعتبر هاكابي أن الأميركيين قد يكونون «مغرورين بما يكفي ليظنّوا أنهم اخترعوا كل شيء بأنفسهم». وختم بالتأكيد أن العلاقة مع إسرائيل تمثّل «فائدة عظيمة» لـ330 مليون أميركي، معرباً عن أمله في أن «يجد 10 ملايين إسرائيلي هذه العلاقة مُرضية لهم بقدر ما هي مُرضية للأميركيين».
أمّا كلمة المدير العام لوزارة الحرب الإسرائيلية، اللواء في الاحتياط أمير برعام، فجاءت لتقدّم الصياغة الأمنية والاستراتيجية لما طرحه هاكابي سياسياً. إذ تحدّث برعام في الجلسات العامة لـ«مؤتمر هرتسليا»، أمس، عن أن «الحرب كشفت لجميع الأطراف في المنطقة كلفة التعاظم العسكري الإيراني، ودفعت نحو مصلحة مشتركة في بناء تحالف أوسع يمتدّ من الهند، مروراً بالإمارات، وصولاً إلى اليونان وقبرص». غير أنه شدّد على أن «توسيع هذه الشراكات لا يشكّل بديلاً من العلاقة مع الولايات المتحدة، بل يمنح إسرائيل هامش مناورة أوسع، ويعزّز مكانتها الدولية». وفي ما يتّصل بالفجوة بين أولويات واشنطن وتل أبيب، أوضح أن «الخلاف لا يتعلّق بتقدير التهديد الإيراني نفسه، بل بترتيب الأولويات»؛ فإيران، بالنسبة إلى إسرائيل، تمثل «تهديداً وجودياً»، فيما تنظر إليها الولايات المتحدة بوصفها «تحدّياً إقليمياً مزمناً»، في وقت تبقى فيه الصين ومسرح المحيطين الهندي والهادئ في صدارة الاهتمام الأميركي. ولخّص برعام هذه الفجوة بقوله: «نحن نفكّر في طهران، وهم يفكرون في تايوان».
وانطلاقاً من ذلك، وفي ظلّ تفعيل سياسة «أميركا أولاً»، اعتبر برعام أنه لم يعُد ممكناً أن تقوم الشراكة الإسرائيلية – الأميركية على القيم المشتركة وحدها. ورأى أن المطلوب هو بناؤها على «مصالح صلبة»، وعلى صورة «إسرائيل القوية والمستقلة والمبادِرة، القادرة على تثبيت الشرق الأوسط بما يتيح للولايات المتحدة نقل جانب أكبر من مواردها واهتمامها إلى آسيا». وشدد على أن هذا التصور يجب أن يشكّل «الأساس لمذكرة التفاهم الأمنية الأميركية – الإسرائيلية الجديدة»، بما يضمن للطرفين مكاسب أمنية واقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد.
هكذا، بدا «مؤتمر هرتسليا 2026» أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف موقع إسرائيل داخل الاستراتيجية الأميركية المقبلة. إذ كشف النقاش خلاله أن تل أبيب تدرك أن الدعم الأميركي لم يعُد التزاماً تلقائياً، بل بات أكثر خضوعاً لحسابات واشنطن ومصالحها الكبرى. ومن هنا، تتمحور الرسالة الأساسية للمؤتمر حول حاجة إسرائيل إلى إثبات جدواها كشريك قوي وفاعل، لا كعبء أمني دائم، في شرق أوسط يعاد تشكيله بعد الحرب وتحت ضغط تحوّلات الأولويات الأميركية في العالم.
صحيفة الاخبار اللبنانية



