تحليلات سياسيةسلايد

كيف تواجه “إسرائيل” حالة الكراهية العالمية؟

وسام أبو شمالة

اختلف المجتمع الإسرائيلي في كل شيء تقريباً ولم يتفقوا إلا على نقطة واحدة، فما هي؟!

 

“إسرائيل” دولة مكروهة لدى غالبية العالم، ليس على مستوى آسيا وأفريقيا فحسب، بل حتى في الغرب الذي تفتخر أنها تتشارك قيمه أيضاً، وكره “إسرائيل” بات عميقاً في الوعي العام لدى جيل الشباب، حتى داخل دول تتحالف تقليدياً مع “إسرائيل”، ومنها الولايات المتحدة.

والشيء الآخر الذي اتفق عليه المجتمع الإسرائيلي هو أن حالة الكراهية تولدت بعد الحرب على غزة. وأكثر ما يثير الدهشة أن الغالبية العظمى ترى أن “إسرائيل” فشلت في الدعاية وفي تسويق الرواية والسردية التي تبرر حربها الوحشية على غزة، في مقابل نجاح السردية الفلسطينية في كسب الرأي العام لمصلحتها، ولا ترى أن حرب الابادة الإسرائيلية وصورها المروعة التي هزت المشاعر الإنسانية مبرر لكره “إسرائيل”، فالمشكلة في نظرهم تنحصر في الفشل الدعائي الذي لم يقنع العالم بأن “إسرائيل ” تواجه “حيوانات بشرية”، وأن من يسكن غزة 2 مليون “إرهابي”، وأن “إسرائيل” تواجه النازية الجديدة التي تشكل خطراً على قيم الحضارة الغربية، وأنها لا تفعل أكثر مما قامت به أميركا ضد اليابان، وغيرها من السرديات التي كررتها أبواق يهودية صهيونية وغربية من المسيحية الصهيونية، وآخرها ليندسي غراهام السيناتور الجمهوري الأميركي المقرب إلى دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو.

ومع اتساع حدة الانتقادات الدولية لـ “إسرائيل” بسبب الجرائم التي ارتكبتها في  قطاع غزة، شرعت دوائر صنع القرار الإسرائيلي في بحث سبل مواجهة مخاطر العزلة العالمية وتراجع مكانتها دولياً، والوقوف على أسباب ضعف “سرديتها” أمام السردية الفلسطينية، والذي عزته إلى خلل في توصيف خطورة تأثير الرأي العام في “إسرائيل ” باعتباره لا يشكل تهديداً خطيراً عليها، بيد أنها لم تصل في أي مرحلة من مراحل البحث والدراسة إلى أن السبب هو  القوة الغاشمة والعنف المفرط والرغبة في الانتقام الأعمى،  الأمر الذي لم يصل بهم إلى معالجة جذرية أو أخلاقية. وبالتأكيد لم يرَ أي مستوى من المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية أن المعالجة السياسية لأصل الصراع مع الشعب الفلسطيني هي بداية يجب التوقف عندها.

إن العمى الذي أصاب الدوائر الإسرائيلية التي بحثت أسباب كره “إسرائيل” أوصلها إلى نتائج تثير الاشمئزاز وتوصيات لا تعكس إلا نفسية مريضة ومهووسة وبربرية، لا تقبل الآخر ولا تراه أصلاً بشرياً، وترى في كل ناقد للسلوك الإسرائيلي الاجرامي، إما “معادياً للسامية” يجب محاربته، أو متأثراً بالسردية الفلسطينية “المضللة” أو ضعفاً وفشلاً في الدعاية والرواية الإسرائيلية. من جانب آخر، ترى أوساط أمنية إسرائيلية وازنة أن المعضلة تكمن في تقليل الخطر الناجم عن تأثير الدعاية الإسرائيلية في الرأي العام العالمي والإنساني، الأمر الذي يعتبرونه أساس المشكلة، ما تسبب بضعف الموارد والجهود والإمكانيات التي يجب أن ترصد لتعزيز السردية الإسرائيلية ودحض السردية الفلسطينية،  باعتبار أن التحدي على جبهة الرأي العام تحول إلى تهديد وجودي، وليس مجرد تحدٍ عارض أو هامشي، بل يجب إضافته كإحدى الجبهات التي تقاتل عليها “إسرائيل “.

إن ما يصدر عن الأوساط الإسرائيلية لا يعكس ما تقتنع به في داخلها، بل ما تريده أن يصل إلى جمهورها أولاً، وإلى حلفائها والمتعاطفين معها ثانياً، وهدفها تجريد الصفات الإنسانية عن الشعب الفلسطيني كافة، وصرف الانتباه في الوعي العام عن العوامل السياسية للصراع، وهي لا تكترث بما تسوقه من نظريات المؤامرة على اليهود والقيم الغربية، والادعاء بأن هناك منظومة جاهزة ومنسّقة ومنظّمة للقيام بمهمة “نزع الشرعية عن إسرائيل”.

ما وصلت إليه استخلاصات النخب الإسرائيلية أن “إسرائيل” تعرف كيف تواجه التحديات الأمنية والعسكرية، غير أنها تفشل في جبهة الوعي والدعاية، بسبب أنها أعدت استجابة أمنية وعسكرية لمختلف التهديدات، بيد أنها لم تبنِ استجابة كافية على صعيد بناء الوعي والسردية، لأنها عولجت لسنوات طويلة كمشكلة دعاية، وليس كساحة قتال حقيقية!

الأمر الذي أدى إلى هزيمة مدوية لـ “إسرائيل”  في اليوم التالي لهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول  2023، عبر تنظيم تظاهرات منسّقة ومنظمة في حرم الجامعات في الولايات المتحدة وفي العواصم الغربية، تعاطفاً مع الفلسطينيين في غزة، ليس بسبب مشاهد قتلهم، بل بسبب عدم بناء استجابة مسبقة لتحديات الدعاية الفلسطينية المضللة!

انطلاقاً من هذا التشخيص، فإن الحل السحري يتم من خلال تنظيم حلفاء من الصهاينة- غير اليهود- في جسم منظم، يضم قادة من المسيحية الصهيونية، وشخصيات ثقافية وإعلامية، وصانعي رأي ومؤثرين في شبكات التواصل الاجتماعي، وشخصيات عامة أميركية وغربية، تمثل جماهير بمئات الملايين، والعمل بشكل منهجي ومدروس وتخصص له موارد مالية كبيرة والعمل ضمن مسار يعزز الرواية الإسرائيلية التي تزعم أن “إسرائيل” هي رأس حربة الدفاع عن القيم الغربية في مواجهة “التوحش الإسلامي والنازي المتطرف”، وأن “إسرائيل” ليست هدف الإرهاب، بل هي أداة ضمن صراع أوسع بكثير ضد العالم الغربي.

تسعى “إسرائيل” بكل أدواتها لتأطير نفسها كحامٍ ومدافع عن الغرب، في مسعى لعزل الجانب الفلسطيني في قالب أيديولوجي كاره للغرب والقيم الديمقراطية، الأمر الذي يسهم في تراجع تأثير السردية الفلسطينية التي تنطلق من رواية مختلفة بل ومعاكسة للأكاذيب الإسرائيلية، باعتبار أن الشعب الفلسطيني ضحية لاحتلال استعماري عنصري يمارس أبشع أشكال الأبارتهايد والإبادة الجماعية والتهجير القسري، وأنه جزء من حركات التحرر العالمية التي تسعى للتخلص من الاحتلال ونيل الحرية.

إن الصورة أبلغ من البرهان، وإن كل الاستجابات والموارد والمؤتمرات التي تخصصها “إسرائيل” في محاولة لتجميل صورتها بعد حرب الإبادة على غزة، لن تنجح، لأن إساءة الوجه التي جلبتها “إسرائيل” لنفسها لن تجملها كل أدوات التجميل و”المكياج” المصطنع أمام الحقيقة التي شاهدها العالم على الهواء مباشرة لما يزيد على عامين، والتي لا يزال يراها حتى اللحظة.

الميادين نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى