عدتُ من بيروت عام 1980، وكانت كل أفكاري تتجه إلى إنهاء عملي هناك، والعودة إلى صحافة دمشق، وكانت أمامي مفاجأتان ، الأولى أنني اكتشفت أن لا صحافة في سورية، فكيف يمكن لي التأقلم مع عملي الصحفي في وقت قال فيه وزير الإعلام للصحفيين وأنا منهم : أنتم لستم صحفيين، أنتم موظفون!
بيني وبينكم، شعرت أن هذا الوزير يعرف فعلاً معنى الصحافة، ويعرف أنه وزير لإعلام بلا صحافة، فأخبرنا بهذه الحقيقة ليكون الأمر واضحاً عندنا، نكتب مايشاء النظام ونسبح بحمده وحمد من والاه!
والثانية، أن رجالات الحراسات الأمنية، كلما اقتربتُ منها، تطلب مني أن أنزل عن الرصيف، وفي دفاتري العتيقة عن تلك الأيام، كتبتُ ذلك، فقد قيل لي أكثر من مرة من رجال الاستخبارات: انزل عن الرصيف ولا.. فكتبتُ: أنني نزلتُ وبقي ولا !
كيف يُمنع المارة من السير على الأرصفة؟ ولمن أنشأت الأرصفة إذن ؟
مر على تلك الحادثة أكثر من أربعين عاماً، وخلالها تعرفت على شوارع الخوف في المدينة التي أحبها، وفهمت معنى الأرصفة التي يمنع المارة من السير عليها، وتعرفت على بيوت المسؤولين، وبيوت رجال الأمن، وفروع المخابرات من خلال هذا المنع. وتعقدت المسألة بحيث لجأت الجهات المختصة إلى بناء أسوار وحواجز اسمنتية عالية حول هذه المنشآت، فألغِيتْ الأرصفة وألغِيتْ الشوارع، وحل محلها : إنزل ولا !
وكنت كلما أمر بسيارتي في محيط بيت الرئيس أقرأ أكثر من لافتة : الزمور ممنوع. إلى أن أصل إلى طريق المهاجرين، فأشغل الزمور حتى أشبع.
من السهل جدا شرح المسألة، فعندما يصل المسؤول إلى مرحلة الخوف من المواطن، فهذا يعني أن عليه الاختباء، لأن من يحمي الدولة هو المواطن الذي يثق بها، وتثق به، والسؤال في هذه الحالة : متى يكون الحاكم مطمئناً إلى شعبه ؟
بسيطة ، عندما يكون عادلاً، بل وعندما يعرف أن دوره في الحياة هو إدارة عجلة البلاد لا كسرها والتسلط على الناس بوحشية أجهزته، وإلا فهو يعرف أن الأعداء كثر، وكذلك يفعل نائبه ووزيره وطواقم أجهزته الأمنية وغير الأمنية.
سأذكر ماذا حصل معي قبل سنتين ونصف، فأنا أسكن في ملحق استأجرته قرب حديقة السبكي في قلب دمشق، وذات ليلة أيقظتني زوجتي لتخبرني أن هناك أشخاصاً على التراس، فنهضت وخرجت إليهم، فأخبروني أنهم من الفرع أربعين، وأنهم يشكون بوجود رجل يتجول على الأسطحة، وادعوا أنهم يريدون تفتيش البيت، وعندما عرفوا أنني إعلامي، لفلفوا الموضوع ، و أقلعوا عن الفكرة، ومنذ ذلك اليوم، وأنا أنهض ليلاً خوفا من عناصر الفرع المذكور.
في صبيحة اليوم الأول من السنة الجديدة، هطل مطر غزير، وكنت قد استيقظت لتوي قلقاً من تراكم أعمالي التي لاتنتهي، خرجت إلى الشوارع، وكانت نظيفة قليلة المارة، فساقتني قدماي إلى بيوت المسؤولين السابقين والمعروفين تاريخياً، ووصلت إلى بيت الرئيس المخلوع، لم أجد حراسات ولا منع الزمور، فضحكت، لأن في ذاكرتي ثلاثة أنواع يمنع فيها الزمور : عند المستشفيات ، وعند المداجن، وقرب بيت الرئيس.
كنت أخاف من ترداد الفكرة، كي لا أقع في المقارنة بين بيت سيادته وبيوت الدجاج ، وربما كان بيته ينتمي إلى المداجن، كما وصفه نزار قباني في قصيدة الديك..
حرام عليك يارجل .. سيادته كان يريد أن ينام مرتاحا مع أسرته من أعباء الحكم، والزمور قد يوقظه، أو ربما كان لا يريد لأي شيء في العالم أن يوقظه من غفوته الطويلة قبل أن يقرع التاريخ طبول رحيله !
فعلاً ، حرام ، اتركوه ينام من دون زمامير !
بوابة الشرق الأوسط الجديدة
لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك
لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر



