من قناة السويس إلى ممر داوود: تفكيك الجغرافيا العربية وصعود الدور الإسرائيلي
علي قاسم مقداد

ممر داوود ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل هو مشروع جيوسياسي يهدف إلى إنتاج واقع إقليمي جديد. وهو يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة على قاعدة الإقصاء والاستبدال.
في السنوات الأخيرة، برزت في الإقليم مجموعة من المشاريع الاستراتيجية التي تتجاوز طابعها الاقتصادي المعلن لتلامس عمق التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط. ضمن هذا المشهد المعقّد، يبرز ما يُعرف بـ«ممر داوود» كإحدى المحاولات الأكثر طموحاً لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة، لا باعتباره مجرد مسار للنقل أو التجارة، بل بوصفه ركيزة في مشروع أكبر يستهدف إعادة ترتيب الأدوار والحدود الوظيفية للدول العربية وتحويل “إسرائيل” إلى مركز ارتباط رئيسي بين آسيا وأوروبا.
يتأسس هذا الممر، في جوهره، على رؤية إسرائيلية قديمة حاولت، منذ الخمسينيات، تعويض محدودية المساحة والعمق الجغرافي عبر بناء وظيفة استراتيجية تتجاوز قدرات الدولة الصغيرة. وقد ظهرت الفكرة بوضوح في كتابات بن غوريون، ثم أعاد شمعون بيريز إحياءها في مشروع «الشرق الأوسط الجديد» بداية التسعينيات، حين رأى أن دور إسرائيل المستقبلي لن يكون قائماً على التفوق العسكري فقط، بل على تحويلها إلى عقدة اقتصادية لا يمكن تجاوزها في حركة البضائع والطاقة والمعرفة. ومع التحولات التي شهدها النظام الدولي بعد الحرب الباردة، وجدت هذه الرؤية أرضاً خصبة لإعادة إنتاجها ضمن منطق العولمة وسلاسل التوريد العابرة للحدود.
اليوم، يعود المشروع بأدوات جديدة تتناسب مع اللحظة العالمية الراهنة: تنافس أميركي- صيني على طرق التجارة، وسعي الهند إلى تعزيز موقعها كقوة صاعدة، ورغبة الخليج في تنويع اقتصاده، وإعادة تموضع تركيا وإيران كقوتين إقليميتين تحاولان الوصول إلى البحر المتوسط أو تعزيز نفوذهما في المشرق. ضمن هذا السياق، يلتقي ممر داوود مع المبادرات الدولية الكبرى مثل «الممر الهندي– الأوروبي» الذي روّجته واشنطن ونيودلهي وأبو ظبي في قمة العشرين 2023، بوصفه ممرّاً يختصر المسافة بين جنوب آسيا والاتحاد الأوروبي من دون المرور بقناة السويس، ومن دون المرور أيضاً عبر تركيا أو إيران. وهنا تكمن الأهمية الجيوسياسية الفعلية لهذا المشروع، بأنه يُقصي الفاعلين التقليديين ويستبدلهم بمسار جديد تتحكم فيه “إسرائيل” والولايات المتحدة.
هذا الممر يتطلب رؤية أوسع من مجرد تصميم تقني لخطوط السكك أو الطرق. فالمشروع ينطلق من فرضية جيوسياسية واضحة: تحييد مصر عن دورها التاريخي بوصفها بوابة الشرق نحو المتوسط، وتقليص وظيفة قناة السويس التي شكّلت منذ افتتاحها عام 1869 محوراً للصراع الدولي ومصدر قوة سياسية واقتصادية للقاهرة. وإذا نجح المشروع، فإن جزءاً من الحركة التجارية بين الهند وأوروبا سيعبر “إسرائيل” والأردن والسعودية وصولاً إلى الإمارات، ما يعني أن قناة السويس لن تبقى الخيار الوحيد أو الأفضل. وكل تراجع في أهمية القناة لا يضرب المالية المصرية فقط، بل يضعف الدور الإقليمي للدولة التي شكّلت لعقود ركيزة في النظام العربي.
وهذا التغيير لا يقتصر على مصر، بل يشمل المشرق العربي كله. فالممر يعزل العراق وسوريا ولبنان عن مسارات الربط الاستراتيجي، ويخلق ما يشبه «الفصل الوظيفي» بين المشرق والخليج. وبذلك، يتم تجاوز الجغرافيا السياسية التي تشكلت خلال القرن العشرين، حيث كان المشرق يشكل مجالاً حيوياً طبيعياً للخليج، وكانت طرق التجارة والطاقة تمرّ عبر العراق وسوريا نحو المتوسط. اليوم، تريد أميركا و”إسرائيل” تفعيل مسار ممر داوود، وهو ما يعيد تعريف معنى “المشرق” وحدوده ودوره في المنطقة.
في المقابل، تظهر تركيا كأحد أبرز المتضررين المحتملين من المشروع. فمنذ مطلع الألفية، بنت أنقرة جزءاً كبيراً من نفوذها على موقعها الجغرافي بوصفها بوابة لوجستية بين آسيا وأوروبا. وقد انخرطت في مشاريع كبرى مثل خط TANAP وخط سكة الحديد باكو– تبيليسي– قارص، وسعت إلى تسويق نفسها كجسر طبيعي لا يمكن الاستغناء عنه في التجارة الدولية. غير أن ممر داوود، إذا اكتمل، سيقدم بديلاً منافساً للمسار التركي– العراقي– الخليجي الذي تعمل عليه أنقرة منذ سنوات. ولن يقتصر التهديد على الجانب التجاري، بل سيتحول إلى تهديد استراتيجي أعمق، لأن نجاح الممر الإسرائيلي يعني تثبيت “إسرائيل” في قلب شبكة الربط بين الخليج وأوروبا، وتراجع تركيا إلى موقع الطرف الخارجي الذي لا يملك قدرة السيطرة على حركة التجارة.
إيران بدورها تنظر إلى المشروع بعين الريبة. فمنذ الحرب العراقية – الإيرانية، أدركت طهران أن حدودها الجغرافية، رغم اتساعها، تفتقر إلى منافذ آمنة ومستقرة على البحر المتوسط، ما جعل ارتباطها بسوريا ولبنان جزءاً من معادلة أمنها القومي. ولذلك، فإن أي مشروع يلتفّ على الجغرافيا الإيرانية ويعيد رسم طرق التجارة بحيث تتجاوز إيران بالكامل، يُعد تهديداً مباشراً لموقعها في المعادلة الإقليمية. وإذا تحوَّل الخليج إلى مجال نفوذ اقتصادي– استراتيجي مرتبط بـ”إسرائيل” عبر ممر بري، فإن ذلك سيحدّ من قدرة إيران على الضغط في مضيق هرمز أو في العراق أو في سوريا، وسيعيد رسم توزيع النفوذ في المنطقة بما يتناسب مع مصالح واشنطن وتل أبيب.
البعد الأخطر للممر لا يتعلق بالسياسة اليومية، بل بإعادة رسم خريطة المواصلات للمنطقة. فالمسار الجديد يخلق نمطاً من الاعتماد المتبادل بين الخليج و”إسرائيل”، ويجعل من الأخيرة ضرورة اقتصادية لا مجرد خيار سياسي. وهذا النوع من الارتباط البنيوي، إذا ترسخ، سيكون أكثر تأثيراً من أي اتفاق تطبيع. فالدول المرتبطة بخطوط التجارة وسلاسل التوريد تميل إلى تكريس علاقاتها ضمن إطار ثابت، لأنه يصبح جزءاً من بنيتها الاقتصادية الداخلية. ومع الزمن، تصبح إعادة النظر بهذه العلاقات مكلفة، ليس فقط اقتصادياً، بل سياسياً واجتماعياً. وبالتالي، فإن ممر داوود يضع الأسس لبناء شرق أوسط جديد لا يقوم على التحالفات العسكرية فقط، بل على شبكة مصالح اقتصادية – استراتيجية تعيد تعريف العلاقات بين الدول.
ولا يمكن فصل هذا المشروع عن الخلفية الأوسع للصراع الدولي الدائر اليوم. فالولايات المتحدة، التي تتراجع قدرتها على السيطرة على خطوط التجارة في المحيطين الهندي والهادئ، ترى أن أفضل مواجهة للصين هي عبر بناء ممرات بديلة تحدّ من نفوذ بكين في مبادرة «الحزام والطريق». وبما أن إيران وتركيا والصين تشكل، بدرجات متفاوتة، تحدياً لمصالح واشنطن، فإن تحويل “إسرائيل” إلى مركز ربط بين الخليج وأوروبا يبدو خياراً استراتيجياً يخدم أهدافاً متعددة: تطويق الصين، وإضعاف نفوذ إيران، وتقييد طموحات تركيا، وإعادة هندسة الشرق الأوسط بطريقة تجعل من إسرائيل شريكاً لا يمكن تجاوزه.
من هنا، يصبح واضحاً أن ممر داوود ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل هو مشروع جيوسياسي يهدف إلى إنتاج واقع إقليمي جديد. وهو يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة على قاعدة الاقصاء والاستبدال: إقصاء مصر والعراق وسوريا ولبنان من معادلة الربط، واستبدال دورهم التاريخي بدور إسرائيلي جديد. وفي الوقت نفسه، يضع الخليج في فضاء استراتيجي مختلف عن فضائه العربي التقليدي، ويجعله مرتبطاً بـ “إسرائيل” أكثر مما هو مرتبط بالمشرق.
وإذا جرى النظر إلى المشروع ضمن امتداد رؤية “الشرق الأوسط الجديد”، التي طُرحت في عهد كلينتون وتطويرها لاحقاً بعد احتلال العراق 2003، نكتشف أنه يتكامل مع توجهات تقسيم وظيفي للمنطقة: دول تُختزل وظيفتها إلى الطاقة، ودول تتحول إلى ممرات عبور، ودول تتراجع إلى أدوار ثانوية، فيما تصبح “إسرائيل” المركز السياسي – الاقتصادي الذي يربط الجميع. وبذلك يتحقق تدريجياً تفريغ المنطقة العربية من قدرتها على تشكيل محور مستقل أو إنتاج منظومة أمنية ذاتية، لمصلحة إدماجها في مشروع غربي – إسرائيلي طويل المدى.
وليس من صدفة أن الممر يأتي في وقت تتراجع فيه موازين القوى التقليدية في المنطقة، وتغيب فيه الإرادة السياسية العربية القادرة على صياغة استراتيجية موحّدة. فالمشرق غارق في حروب متواصلة أضعفت دوله الأساسية، والخليج يسعى إلى إعادة تعريف دوره الاقتصادي، ومصر تواجه تحديات داخلية وخارجية متراكمة. هذا الضعف البنيوي يفتح الباب أمام مشاريع من هذا النوع، التي تستفيد من الفراغ الاستراتيجي لتطرح نفسها كبديل ضروري.
ختامًا، يُعد ممر داوود أحد أخطر مشاريع إعادة تشكيل المنطقة في العقود الأخيرة، لأنه يتجاوز طبيعته الاقتصادية ليكوّن بنية جديدة للعلاقات الإقليمية. وإذا اكتمل المشروع، فإن الخريطة السياسية والجيوسياسية للشرق الأوسط ستتغير بصورة يصعب التراجع عنها، وسيجد العرب أنفسهم أمام واقع جديد تُملي فيه “إسرائيل” شروط الاتصال والتجارة والتحالفات. وهذا ما يجعل النقاش حول هذا المشروع ضرورة سياسية قبل أن يكون نقاشاً اقتصادياً. فالمسألة لا تتعلق بنقل البضائع بين الخليج وأوروبا، بل بإعادة بناء الشرق الأوسط، وفق منطق لا يأخذ المصالح العربية في الاعتبار، بل يضعها في موقع الطرف الخاسر ضمن معادلة دولية تتشكل بسرعة.
الميادين نت



