في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات وتتشابك فيه الروايات، يبرز سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالاته: من نصدق؟
سؤال لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية لإنسانٍ يعيش في قلب عاصفة معلوماتية لا تهدأ، حيث تختلط الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالدعاية، والوقائع بالتأويلات.
هل نصدق السوشيال ميديا بما تحمله من سرعة وانتشار وقدرة على التأثير؟ أم نشرات الأخبار التي يفترض بها المهنية لكنها كثيرًا ما تُدار وفق أجندات سياسية واقتصادية؟ أم نصدق رجالات السياسة الذين يتغير خطابهم بتغير المصالح؟ أم المتنفذين في شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الذين يملكون خوارزميات تتحكم بما نراه ونصدقه؟ أم رجال الدين الذين يقدّمون تفسيرًا أخلاقيًا أو عقديًا للواقع؟ أم نصدق أحدًا آخر… أم لا نصدق أحدًا على الإطلاق؟
هذه الأسئلة، على بساطتها الظاهرة، تقف عاجزة عن إيجاد إجابة حاسمة لدى أي إنسان، سواء كان بسيطًا أو مثقفًا، متدينًا أو علمانيًا، عالمًا أو جاهلًا. فالكل، دون استثناء، يقف اليوم في المساحة الرمادية ذاتها، حيث الشك أصبح القاعدة، واليقين حالة نادرة.
إلى من يرجع الإنسان المعاصر ليعرف ما يجري في هذا العالم؟ وأين يجد مرجعًا موثوقًا يمكنه الاعتماد عليه في الفهم والاستقصاء؟
هل يعود إلى المراجع الدينية التي تشكّلت في سياقات تاريخية مختلفة؟ أم إلى المراجع الثقافية التي غالبًا ما تخضع لنخب محددة؟ أم إلى المؤسسات الحكومية التي لم تعد بريئة في خطابها؟ أم إلى المكتبات التقليدية التي تراجعت أمام الطوفان الرقمي؟ أم إلى التكنولوجيا الحديثة بكل أدواتها، من محركات البحث إلى الذكاء الاصطناعي، الذي يبدو حياديًا في ظاهره لكنه مبرمج بمنطق من صمّمه ووجّهه؟
حتى السوشيال ميديا، التي قُدّمت في بداياتها كمساحة حرّة للتعبير، تحولت إلى ساحة صراع، تتحكم بها الخوارزميات، وتُضخ فيها الأخبار الموجهة، وتُصنع فيها “الحقائق” وفق ما يخدم التفاعل، لا الحقيقة.
أما الإعلام الفضائي والتلفزيوني فحدث ولا حرج ، فقد بات في كثير من الأحيان امتدادًا لمن يموله، يعكس رؤيته، ويعيد إنتاج روايته، ويغيب عنه الحياد الذي طالما تباهى به.
أمام هذا الكم الهائل من المصادر، لا نجد إجابات بقدر ما نجد مزيدًا من الضياع. ضياع فكري، وتشتيت ذهني، وانزلاق تدريجي نحو حالة من انعدام الثقة بكل شيء. لم يعد الإنسان يصدق ما يُقال له، لكنه في الوقت نفسه لا يملك أدوات كافية للتحقق مما هو صحيح. فيتأرجح بين الشك المطلق والتصديق الانتقائي، بحسب ما يوافق ميوله، أو يريحه نفسيًا، أو يخدم قناعاته المسبقة.
حقيقة الأمر أن إنسان القرن الحادي والعشرين هو إنسان غارق في غزارة معلومات غير دقيقة وغير محايدة. كثافة المحتوى لم تُنتج وعيًا، بل أنتجت إرهاقًا. وفرة الأخبار لم تُنتج فهمًا، بل خلقت تشويشًا. ومع الوقت، أصبح هذا الإنسان أقرب إلى كائنٍ مستهلك للمعلومة، لا فاعلًا فيها، يتلقى ما يُلقى إليه دون قدرة حقيقية على التمحيص.
الأخطر من ذلك أن هذه الحالة ساهمت في تآكل القيم الإنسانية المشتركة. فالفردية طغت، والأنانية تعمقت، ولم يعد الآخر أولوية. “أنا أولًا، ومن بعدي الطوفان” أصبحت فلسفة غير معلنة تحكم السلوك العام. ومعها، تراجع الإحساس بالمسؤولية الجماعية، وبات الإنسان أشبه بكيان آلي، مستلقٍ فكريًا، يتلقى ما تمليه عليه ثورة المعلومات دون مقاومة حقيقية.
فمن نصدق إذًا في هذا الزمان الحرج ؟
ربما لا تكمن الإجابة في من نصدق، بقدر ما تكمن في كيف نصدق. أي في بناء عقل نقدي قادر على الشك الواعي، لا الشك العدمي؛ على السؤال، لا الرفض المطلق؛ على المقارنة والتحليل، لا الاستسلام أو الانسحاب. الثقة العمياء لم تعد ممكنة، لكن الارتياب الشامل ليس حلًا.
إن الخلاص النسبي في هذا العصر لا يأتي من مصدر واحد، ولا من سلطة واحدة، بل من وعيٍ فردي مسؤول، يدرك أن الحقيقة لم تعد تُقدَّم جاهزة، بل تُبنى عبر البحث، والتفكير، والتمحيص ،والتعمق في بواطن الأشياء والمساءلة المستمرة.
وفي عالمٍ فقد بوصلته الأخلاقية والمعرفية، يبقى السؤال مفتوحًا…
ولكن محاولة الإجابة عنه بوعي وتمعن ودراسة هي مهمة ليست سهلة بحد ذاتها بل فعل ينتفع منه وبه وانجاز لايقدر بثمن ..
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



