بلا حدود

هل البشر في الحقيقة غير متساوون في مقدراتهم وملكاتهم ؟

ماهر المملوك

في كل نقاش حول الإنسان، تعود إلى الواجهة فكرة شائعة مفادها أن البشر متساوون في قدراتهم الذهنية والعقلية والنفسية والاجتماعية، انطلاقًا من حقيقة بيولوجية لا خلاف عليها: جميع البشر يولدون بعد تسعة أشهر من الحمل، ويتشاركون بنية جسدية أساسية واحدة، وأجهزة حيوية متشابهة، وتركيبًا وراثيًا ينتمي إلى الجنس البشري ذاته. غير أن هذه المساواة البيولوجية الظاهرية سرعان ما تتصدع عندما ننتقل من مستوى الجسد إلى مستوى العقل، ومن التشابه العضوي إلى عالم القدرات والملكات والمهارات. هنا، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل البشر متساوون فعلًا في مقدراتهم العقلية والذهنية والنفسية والاجتماعية، أم أن الاختلاف هو القاعدة وليس الاستثناء؟

التجربة الإنسانية اليومية تقدم إجابة أولية لا لبس فيها. فالبشر، رغم تشابههم الخارجي، يختلفون اختلافًا جذريًا في الذكاء، وسرعة الفهم، والقدرة على التحليل، والاستجابة الانفعالية، والمهارات الاجتماعية، وحتى في طرق التعامل مع الألم والفشل والنجاح. ويكفي أن نتأمل داخل الأسرة الواحدة، بين إخوة نشؤوا في البيت نفسه، وتربّوا على القيم ذاتها، وتقاسموا الظروف الاجتماعية والاقتصادية ذاتها، لنلاحظ فروقات واضحة في الطباع، والقدرات، وردود الأفعال، والطموحات، بل وحتى في الميول والمواهب. هذه الحقيقة وحدها تكفي لدحض فكرة المساواة المطلقة في المقدرات الإنسانية.

يُرجع كثيرون هذا التفاوت إلى العامل الجيني، وهو بالفعل عنصر أساسي في تفسير الاختلافات بين البشر. فالخريطة الوراثية لكل إنسان فريدة، حتى بين الإخوة الأشقاء وحتى في التوائم الغير حقيقية، حيث تختلف تركيبة الجينات ونسب تفعيلها من فرد إلى آخر. هذه الاختلافات الدقيقة تؤثر في بنية الدماغ، وفي كفاءة الجهاز العصبي، وفي الاستعدادات الذهنية والنفسية، مثل سرعة التعلم، وقابلية التركيز، ومستوى الذكاء العاطفي، وحتى القابلية للإصابة بالاضطرابات النفسية. غير أن الجينات، على أهميتها، لا تقدم تفسيرًا كاملًا ولا نهائيًا لهذا التباين الواسع.

إلى جانب الوراثة، يلعب العامل البيئي دورًا حاسمًا في تشكيل الملكات الإنسانية. فالتجارب المبكرة في الطفولة، ونوعية التربية، ومستوى التحفيز العقلي، والبيئة التعليمية، والعلاقات الاجتماعية، جميعها تسهم في صقل القدرات أو إضعافها. طفل ينشأ في بيئة مشجعة على التفكير، والحوار، والاكتشاف، ليس كطفل آخر ينشأ في بيئة قائمة على القمع، أو الإهمال، أو التهميش، حتى وإن تشاركا الجينات ذاتها. وهنا يظهر التفاعل المعقد بين الوراثة والبيئة، حيث لا تعمل أي منهما بمعزل عن الأخرى.

أما على المستوى النفسي والاجتماعي، فإن الاختلاف يصبح أكثر وضوحًا وتعقيدًا. فالبشر يختلفون في قدرتهم على التكيّف، وعلى بناء العلاقات، وعلى ضبط الانفعالات، وعلى مواجهة الضغوط. بعض الأشخاص يمتلكون مرونة نفسية عالية تمكّنهم من تحويل الأزمات إلى فرص، بينما ينهار آخرون أمام أول اختبار جدي في الحياة. هذا التفاوت لا يعكس بالضرورة تفوقًا أخلاقيًا أو قيمة إنسانية أعلى، بل يعكس اختلافًا في البنية النفسية، وفي التجارب المتراكمة، وفي أنماط التفكير المكتسبة.

ومن هنا تنشأ ظاهرة التميّز البشري في مجالات محددة. فبعض الناس يبدو وكأنه خُلق ليبرع علميًا، أو رياضيًا، أو فنيًا، أو سياسيًا، أو فكريًا، بينما يعجز آخرون عن تحقيق نجاح واضح في أي مجال. غير أن هذا الواقع لا يعني أن فئة من البشر “أفضل” من غيرها بالمعنى الإنساني، بل يعني أن الحياة وزّعت القدرات بشكل غير متساوٍ، وأن العدالة الطبيعية لا تقوم على التماثل، بل على التنوع. فالتنوع في القدرات هو ما يسمح بتكامل المجتمعات واستمرارها.

في المقابل، فإن وجود أشخاص يعيشون حالة من التعاسة المستمرة، أو الفشل المتكرر، لا يمكن تفسيره فقط على أنه “سوء حظ” أو “قدر مظلم”. في كثير من الأحيان، تتقاطع العوامل الوراثية مع البيئية والنفسية والاجتماعية لتنتج مسارًا حياتيًا معقدًا، قد يفتقر إلى الدعم، أو الفرص، أو التوجيه. وهنا يصبح الحديث عن المساواة المطلقة نوعًا من التبسيط المخل، الذي يتجاهل تعقيد التجربة الإنسانية.

خلاصة القول إن البشر متساوون في الكرامة الإنسانية والحق في الحياة والفرص، لكنهم غير متساوين في المقدرات والملكات والاستعدادات. الاختلاف ليس خللًا في الخلق، بل جوهر الوجود الإنساني نفسه. فلو تشابه البشر في كل شيء، لفقدت الحياة معناها، ولانتفى الإبداع، ولتوقفت حركة التاريخ. إن فهم هذا الاختلاف بعمق ووعي هو الخطوة الأولى لبناء مجتمعات أكثر عدلًا، لا تقوم على وهم المساواة في القدرات، بل على الاعتراف بالتنوع، واحترام الفروقات، والسعي إلى تمكين كل إنسان من استثمار ما يملكه، لا ما يفتقده.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى