
عند سقوط جدار برلين قبل نحو ربع قرن وقف العالم مدهوشا أمام عودة الحديث عن وحدة ألمانيا التي تحققت بعد ذلك الحدث، وكانت مشاكل ألمانيا كثيرة ومتراكمة وكانت مكوناتها متنوعة وكثيرة رغم وجود غالبية ألمانية، وكان هذا يعني أن احدا لايمكن أن يقف في وجه تقرير مصير الشعوب ووحدتها بغض النظر عن القوى التي ينغصها مثل هذا الحدث.
الاثنين في الثاني من شباط يبدأ تنفيذ الاتفاق بين الدولة السورية وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، وفي هذا الحالة، وإذا تمت العملية بسلاسة، ونتمنى ذلك، فإن السوريين يبحثون حكما عن أجوبة تتعلق بالمستقبل، والأمان الذي سيتركه هذا الاتفاق على الجميع، والسوريون على كل حال لايمكن أن يكونوا ضد وحدة بلدهم ,امنه واستقراره.
إن الحديث عن الاتفاق كما يبدو من بنوده التي أعلنت يحمل في ثناياه بذور خلاف قادمة، أقلها أن الثقة بين الطرفين فيما يتعلق بالمصير النهائي لوحدة سورية غير كاملة، وهذا الشعور برز من قبل مع الاتفاقين السابقين اللذين تخللهما وتلاهما توتر دموي ثم وصل الجميع إلى البحث عن اتفاق ثالث ، حصلت فيه تداخلات من أطراف دولية.
إذا، النقطة التي يبحث عنها السوريون تتعلق بوحدة سورية، وإذا كان هناك طرف لاتهمه هذه النقطة، فهذا يعني أن حقن الدماء لايعنيه، والتجارب السابقة واضحة على هذا الصعيد، والدم الذي سال من الجميع شاهد، واعتقد أن من الضروري أن يكون درسا للمستقبل، وأن يتم الاتفاق على محددات نهائية تحول دون هذا الاحتمال.
كيف يمكن أن نبني قاسما مشتركا بين مكونات الشعب السورية حول وحدة سورية؟
الجواب واضح، أن يكون هناك عقد اجتماعي يحمي الدولة من التفتيت والانقسام، ويعطي للشعب حقوقه ويحدد واجباته، ويحميه من حقبة شبيهة بحقبة الطغمة الحاكمة التي سقطت في الثامن من كانون الأول عام 2024 مع كل ما طرحته من شعارات .
وهذا العقد الاجتماعي، يفترض أن لاتتم صياغته بغرف مغلقة، تحجب الحقائق عن الناس، ويفترض أن لايقبل أي منا تشويشا على الهدوء الذي ينبغي أن يرافق صياغته. فالحوكمة الدولية كانت تتجه لحل المشكلة عبر عقد اجتماعي قائم على الفدرلة واللامركزية، وهناك أصداء لمثل هذا الحل، يمكن أن نجدها في الشمال والجنوب والغرب في سورية، وتشتغل عليها قوى ذات رؤى ومصالح خاصة.
والغريب أن هذه الأصداء تناقض الحقائق التاريخية لوعي هذه المكونات، أي أن السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والفكرية والعقائدية لم يطرحوا أبدا أي نوع من الفرقة، وخاصة عند انطلاق ثورة 2011 والتي شاركت فيها كل المكونات.
والمهم هنا أن نحذر من احتمالات مؤكدة حول المستقبل فيما لو وضعت في العقد الاجتماعي بوادر الفرقة وتمزيق البلاد عندما يؤخذ بعين الاعتبار وحدة الأراضي السورية، ومن هذه الاحتمالات أن حروبا أهلية ستنشأ إن لم يكن اليوم فغدا أو بعد سنة أو عقد، وأن الشعب هو الذي سيدفع الثمن ، ولذلك نحن بحاجة إلى تفويت الفرصة بعقد اجتماعي واضح ويعبر عن الجميع، لأن الدفاع عنه بالوعي وعبر كل مؤسسات المجتمع المدني، أفضل بكثير من الحروب والمعارك وسيول الدم من دون هدف .
كلنا نتمنى أن يكون الاتفاق الذي تم الخطوة الأولى نجو استقرار دائم لسورية، ينقلها إلى مرحلة إعادة البناء والإعمار واستقطاب المشاريع والاستثمارات التي تعود بالخير على السوريين جميعا.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



