إضاءات

حارة المؤيد: حكاية تكتب تاريخها

نضال بغدادي

 

 

ليس من السهل على الإطلاق على الكاتب الروائي أن يشتغل على موضوع له علاقة بزمن معين يحمل في طياته تفاصيل تاريخية تشكل مفصلاً في حياة أمة بحيث يتفادى ذلك التاريخ ليركز على موضوعه الروائي. لهذا فإن حدوث تماس بين الموضوع الروائي وتاريخ الزمن الذي تدور فيه أحداثه قد يكون أمراً لا مفر منه. حينئذ تزداد معاناة الكاتب ومسؤوليته في تفادي الاضطرار لكتابة نص تاريخي موشى بالموضوع الروائي وفي إنقاذ قصته من تبعات التاريخ وحمولته الثقيلة.

في هذه المعادلة الصعبة لعب الأستاذ عماد نداف لعبته ليخرج بمعادلة (حكاية تكتب تاريخها) لنصه الروائي، وأستطيع القول أنه قد نجح في عملية مزج كان لها متعتها الخاصة، وتمكن من الافلات من سطوة التاريخ وفخاخه، حيث بدا أنه هو المتمكن من إدارة هذه اللعبة والإمساك بخيوطها وتوجيه مساراتها ضمن الرؤية التي حددها لعمله الروائي وللرسالة التي أراد أن يقدمها.

تبدأ الرواية من غرفة العناية المشددة في أحد المشافي وفيها الشخصية التي تبدو أنها محور العمل الروائي وهي تعاني من أدوار حمى وعدم توازن واضطراب جسدي وذهني يبدأ بالكشف عن تداعيات ذاكرة معلقة بماض ليس بعيدا جدا، وتأخذ الرواية بحركة تنوس بين الذكريات واستعادة الماضي وبين حاضر يقع تحت وطأة الألم وعدم الاستقرار.

خلال هذه المسيرة الروائية يتعرف القارئ على حارة أراد الكاتب لها أن تكون في تفاصيلها مدينة دمشق في الفترة ما بين الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت. كل ما في هذه الحارة من تفاصيل هي من روح دمشق وجمالها ودفئها، وكذلك طبيعة مجتمعها وسكانها وما يحكمهم من مظاهر نبض الحياة وما فيها من صور الشر والفتن والود والحب والآمال بحياة أفضل والخوف من المستقبل وملامسة مظاهر التطور في الحياة والموقف منها سواء برفضها أو قبولها أو حتى التهليل لها عبر مفصل تاريخي من أهم مفاصل تاريخها الحديث وهي الوحدة بين مصر وسورية.

ويبقى موضوع الجن المفصل الذي يحاك حوله السرد الروائي من خلال قصة قصر آل المؤيد وما قيل عنه أن الجن يسكنوه لنصل إلى لب الموضوع على لسان أم مالك إحدى الشخصيات الرئيسية حين (…تذكرت شيئاً ما قالته أمها لها ذات يوم : ” الجن والشياطين صورة الشر والفتنة في حياتنا!!”

ارتعش جسد أم مالك. أحست أنها تكتشف شيئاً ما يتحضّر لاستهداف استقرار حيوات الناس. فكرت: “حتى الحارة بدأت تتغير!” ).

في ظل هذا المفصل الأساسي للرواية تتحرك مجموعة من التفاصيل والشخصيات التي تمثل كافة أطياف المجتمع الدمشقي تقريباً والتي تتنازعها الأفكار والمعتقدات والأيدولوجيات والمواقف السياسية والاجتماعية المترتبة على الأحداث التاريخية التي تفرض نفسها على الحارة وأهلها حتى مجيء الوحدة بتفاصيلها التي أرخت بظلالها على حياة الحارة وأهلها الذين تنازعتهم مشاعر الفرح والجيشان العاطفي مع الوحدة إلى انقلاب هذه المشاعر وتداعي الوحدة وأيام الانفصال بقسوتها وبدء المتغيرات التي وصلت إلى إزالة الحارة وأبنيتها وتفرق سكانها.

” كمادات لفادي. وصدى. كمادات. مات. مات. وطنين تْ.”

هكذا هي خاتمة رواية تنتهي من حيث بدأت، وستظل واحدة من علائم الرواية السورية للروائي والصحفي الأستاذ عماد نداف. (حكايات حارة المؤيد-الجن والعاشقات) عمل روائي يكاد أن يحول الحكايات إلى تاريخ والتاريخ إلى حكايات في لعبة سردية ذكية وملفتة ولا أعتقد أن مثل هذه التجربة لها مثيل في تاريخ الرواية السورية فيما يخص تاريخ سورية الحديث اللهم إلا الرواية المتميزة (الضغينة والهوى) للروائي فواز حداد والتي تحولت إلى عمل درامي تلفزيوني بعنوان (الدوامة) عرض في رمضان عام 2009.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة


developed by Nour Habib & Mahran Omairy