إضاءات

القطار الأزرق: علامة فارقة

 

من المؤكد أنني لا أبالغ عندما أصف رواية (القطار الأزرق) بالعلامة الفارقة، فهي عمل يشكل إضافة مميزة في مسار الرواية السورية وحتى العربية وإنجازاتها عبر تاريخ طويل يمتد لأكثر من مائة عام. ما الذي يدعوني لأن أطلق على هذه الرواية التي نشرت حديثاً في سورية، هذا الوصف؟ الأمر يتعلق بتجربة لم يسبق وأن حصلت في عالمنا الروائي وأستطيع التأكيد أنها تجربة فريدة حتى على المستوى العالمي. إذ لم يسبق وأن اجتمع سبعة كتاب لإبداع نص روائي مشترك دون أن يتأثر النص وتقنية كتابته بتجارب مختلفة لمثل هذه المجموعة من الكتّاب، إضافة إلى خطر أن يتأثر النص باختلاف وجهات النظر من القضية التي تطرحها الرواية.

سأكون صريحاً بأنني كنت أشك بمدى جدية هذه التجربة حين علمت بها من الصديق الأستاذ عماد نداف وهو أحد الكتاب السبعة. وعندما وصلتني نسخة من الرواية ترددت في أن أبدأ بقراءتها إلى حين تهيئة نفسي لخوض غمار قراءة مثل هذا العمل الغريب، إلا أنني وبصراحة تعلقت بهذه الرواية منذ صفحتها الأولى وخضت غمارها وأنا أتساءل كيف كتب هذا العمل وترى هل فصول الرواية موزعة على الكتاب أم أن هناك أمراً مختلفاً في طريقة الصياغة. خدعتني صفحاتها الأولى بأن هذا الأسلوب هو أسلوب الأستاذ عماد.. أما ذاك الفصل فيبدو أنه من نصيب كاتب آخر وهكذا… إلا أن توقعي سرعان ما خاب عندما وجدت أن أسلوب الصياغة متماسك ومستقر ومتوازن. وشاءت الظروف أن أجتمع بالأستاذ عماد وأسأله عن هذا الأمر بغية إيجاد جواب لهذا اللغز ففسر لي مشكوراً أن الصياغة كانت تتم بشكل مشترك عبر لقاءات منتظمة لكل الكتاب المشاركين.

العمل يمكن أن يصنف ضمن الأعمال التي تناقش الأزمة في سورية والحرب فيها من خلال مجموعة من المثقفين الذين تشاء الأقدار أن يلتقوا في محطة القطار بانتظار أن يأتي ليقلهم نحو اتجاهاتهم بغية حل مشاكلهم النابعة من ظروف الأزمة. الطريف أن أسماء الشخصيات هي نفس أسماء الكتاب السبعة وهو أمر مقصود طبعاً لتسجيل نقطة غائبة لصالح المثقفين وعلاقتهم بأزمة بلادهم ورؤيتهم لتفاصيلها.

لم يتورط العمل في تفاصيل الأزمة ومتاهاتها بل كان انتقائياً بما يخدم الرواية ورسالتها ورؤية كتابها، إلا أنني كنت أود أن تتطرق الرواية إلى فئات في مجتمعنا وألا تقتصر على مجموعة من المثقفين فقط وذلك مما كان سيغني العمل أكثر.

تساءلت في الثلث الأول من الرواية حول مدى العلاقة والربط بين أجوائها وأجواء مسرحية صاموئيل بيكيت (في انتظار غودو)، ولكن سرعان ما جاءت إشارة إلى هذا المسرحية في ضمن النص على لسان إحدى شخصياتها مما يشير إلى وعي كتاب الرواية للعلاقة الواضحة بين أجواء العملين، إلا أنني يجب أن أشير هنا إلى أن الرواية لا تنحو منحى تيار العبث بقدر استغلال هذا الأمر لصالح رسالة الرواية. العمل هنا يتأثر بموضوعة الانتظار، ولكن الانتظار في مسرحية بيكيت عبثي بشكل مطلق، أما هنا فالانتظار هو انتظار لمجيء المستقبل الأكثر حيوية والذي من المأمول به أن ينقلهم إلى الأفضل وإلى تجاوز أزمتهم وأزمة بلدهم.

لا أملك إلا أن أتوجه بكل التحية لهؤلاء الكتاب المبدعين على هذا الانجاز ولهذه العلامة الفارقة ولهذا النص الذي يستحق القراءة.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى