أحوال الدنيا

كيف أطاحت جولي بإبستاين؟!

‏ د. فؤاد شربجي

الزميلة الصحفية “جولي. ك. براون” أطاحت بابستاين. اعذروني لحشر نفسي في زمالة هذه الصحفية المؤثرة. اعتبروا فعلي هذا “عقدة” كاتب صحفي افتقد لبيئة تتيح له ولزملائه ممارسة الصحافة الحقيقية. منذ عبد الناصر والوحدة مع مصر، ومنذ سيطرة العسكر بكل أشكالهم، أممت أو صودرت الصحافة في بلادنا لصالح السلطات العسكرية القامعة. وهذا ما يجعلنا نحس بمصيبتنا كصحفيين كلما سمعنا عن صحافة مؤثرة وفاعلة وحقيقة.

‏عودة إلى جولي براون وابستاين. فإنه في العام 2006 ونتيجة شكوى إحدى الضحايا حوكم ابستاين بتهمة التغرير بقاصرات واغوائهن واغرائهن بالقدوم إلى بيوته الفخمة وجزيرته الفارهة للاعتداء عليهن وتقديمهن لأصدقائه من النافذين الأقوياء. وبسبب نفوذ إبستاين وبطانته من المسؤولين المتنفذين حكم عليه بحكم مخفف وعقدت معه اتفاقية قضائية فاسدة قضى بمقتضاها عدة شهور فقط في سجن مفتوح ‏ثم أطلق صراحه ليعود إلى سيرته في الاعتداء على القاصرات وتقديمهن لأصدقائه المتنفذين من حكام واثرياء ورجال مخابرات. فساد قضائي تآمر مع ابستاين ضد ضحاياه، وأطلقه بحكم منحرف عن العدالة وبصفقة قضائية فاسدة عفنة.
‏جولي براون الصحفية في جريدة “ميامي هيرالد” انتبهت إلى فساد العدالة في محاكمة إبستاين وفي الصفقة التي عقدت معه وبدأت ملاحقته بتحقيقات صحفية استقصائية سلطت الضوء على ضحاياه اللواتي شهدن بما ارتكبه بهن، وما فعله معهن. وكان لشهادة الضحيتان فرجينيا غوفري – وكورتيني وايلد الأثر الكبير في إعادة تحريك القضية واستعادة فتح ملفاتها واستئناف مقاضاة ابستاين.

‏اعتمدت جولي في عملها على عدة محاور. التحقيق في وثائق القضية القديمة والجديدة. الاستماع المباشر إلى الضحايا وإتاحة الفرصة لهن لإعلاء صوتهن. تحدي المؤسسات والأفراد النافذين والأقوياء. واهم ما اعتمدت جولي عليه هو استمرار العمل على القضية والحفر في أساساتها ومتابعة البحث في تفاصيلها لمدة طويلة استمرت لسنوات، وعبر سلسلة تحقيقات استقصائية تجاوزت في عددها العشرات. كما أنها لم تستجب للضغوط والتهديدات، ولم تنسحب من متابعة استقصاءاتها حتى بعد وفاة ابستاين.

‏أول إنجاز لجولي في القضية كان إثبات فساد الصفقة القضائية التي أبرمت مع ابستاين العام 2008 ومنحته معاملة مخففة مما حرك الرأي العام ودفع لإعادة فتح التحقيق الفيدرالي. ووجهت لابستاين اتهامات جديدة في العام 2019 ، وكشفت تحقيقات جولي فساد المدعي العام الفيدرالي السابق الذي أصبح وزيرا للعمل (الكسندر اكوستا) والذي استقال بسبب هذه التحقيقات. كما أن عمل جولي جر غيسلين ماكسويل شريكة ابستاين إلى قفص الاتهام حيث انتهت محاكمتها بالحكم عليها بالسجن المؤبد. وبذلك أطاحت جولي بابستاين وشريكته وبفساد القضاء وبكل من يحمي ويتستر على جرائمه وجرائم شركاؤه بحق ضحاياهم من القاصرات الفقيرات.

‏نالت جولي براون المولودة في العام 1961 الجوائز على سلسلة تحقيقاتها المعنونة ب (فساد في العدالة). وحصلت على جائزة جورج بولك مرتين، وهي من اهم الجوائز التي تمنح للأعمال المميزة في الصحافة الاستقصائية، وجائزة سيدني وهي تمنح للأعمال الصحفية ذات التأثير الاجتماعي، وجائزة هيلمان للصحافة وهي تعطى للأعمال الصحفية ذات التأثير الاجتماعي البالغ والتي تبرز أهمية العدالة الاجتماعية. كذلك نالت جولي جوائز عديدة من مؤسسة نادي الصحافة الوطنية واختيرت ضمن 100 شخص الأكثر تأثيرا في العالم لعام 20 20 . جولي جمعت تحقيقاتها في كتاب تحت نفس العنوان (فساد في العدالة) ويجري الآن العمل على تحويل محتوى هذا الكتاب إلى سلسلة أفلام في هوليوود.

‏توفر لجوالي بيئة قانونية، ودستور يحمي حرية الصحفي، ورئيسة تحرير شجاعة (اماندا ماركوس غونزاليس) ومنحتها جريدة ميامي مساحة لعشرات التحقيقات الاستقصائية تجاوزت السبعين. وبالإصرار والمثابرة الطويلة. والإيمان بالعدالة، وبالتركيز على الضحايا وفضح فساد القضاء والسياسة، استطاعت جولي، وعبر صحيفة محلية، أن تؤثر في القضاء فتعيد فتح قضية خطيرة. واستطاعت أن تؤثر في الصحف الكبرى لتجعلها تعاود متابعة القضية. واعادت جولي للصحافة الاستقصائية وجاهتها وأهميتها وفعاليتها. لذلك نالت إضافة للجوائز السابقة نالت في العام 2025 جائزة “الحياة المهنية” من منظمة محررو التحقيقات الاستقصائية لمسيرتها المهنية وخاصة لإنجازها في قضية ابستاين.

‏بربكم بعد كل ذلك ألا يحق لصحفي مثلي أن يشعر بالحسرة لحرمان بلادنا من البيئة التي تتيج للصحافة ممارسة دورها الفعال في حماية وتطوير المجتمع والارتقاء به. الله لا يسامح العسكر بكل تنوعاتهم لأنهم ابقوا مجتمعاتنا في العتمة بعدما كانت دمشق في ثلاثينيات القرن العشرين تعبرعن نفسها بأكثر من 30 جريدة جريئة وشجاعة وفاعلة. تصوروا! تحت نير الانتداب الفرنسي كان لدى صحافتنا بيئة تتيح للصحفيين ممارسة دورهم بجرأة ومهنية بينما حرمنا العسكر من مثل هذه البيئة.

جولي براون تجربة صحافية ملهمة. وباتت تدرس في كليات الصحافة الجامعية. فهل نستفيد منها ونستعيد أمجاد مؤسسو الصحافة السورية منذ بداية القرن العشرين حتى اعدامها من قبل العسكر.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى