ارتباط الإنسان بالمكان حالة فطرية، فهو يحن ويشتاق إليه مهما طال الزمن وابتعد عنه، لأن فيه ذكرياته وشقاوته وفيه الأهل والأصدقاء ومراتع الطفولة والصبا، وفيه تلوح في كثير من الأحيان ظلال أول امرأة دق لها قلبه، ولهفت لها روحه.
هذا الأمر قد يتجلى بشكل واضح لدى المبدع، وذلك عندما يصير هاجساً دائماً في باله، ولشدة ارتباط الإنسان بالمكان قد تصبح آخر أمنياته أن يدفن فيه على سبيل المثال.
المكان قد يتسع ويضيق حسب اتساع الرؤية، أو انحسارها، وقضية المكان ليست بالمسألة السهلة، أو الهينة، لأننا من خلاله نصل إلى تخوم المعنى على الأقل، لتنكشف بعد ذلك الكثير من الدلالات الفكرية والاجتماعية والنفسية، وربما العقائدية أيضاً، وبالتالي ربما يقودنا إلى معرفة البطل بشكل أوضح، هل هو شخص سطحي، أو عميق؟ لأن للمكان دلالة في أغلب الأحيان على ساكنيه .
نقول ربما لأن لكلّ قاعدة شواذها، وهناك من يتمرد على تلك القاعدة ، ويكسرها، وتلك سمة أساسية من سمات الإبداع الحقيقي، والمبدع الحق لا يرضى بما رضي به غيره، لكننا يجب أن نقول في هذا المجال أنه ليس من الضرورة أن يكون الكاتب هو البطل ذاته، لكنه يستطيع أن ينسج من حكايته قصة تعني غيره، وقد يصنع من حكايات غيره ما يشد المتلقي إلى نصه بروابط لا تنتهي.
للكتابة كما يقول سليم بركات: “دوافعها السحرية في انتشال المكان من غرقه في الحنين إليه، أعني المكان الذي يجعلنا كائنات تتألف في القدرة على الاستحضار السحري له حين يغيب ربما تغدو النظرة إلى الوراء بجسارة نظرة إلى الأمام”.
المكان الأدبي أو تلك العمارة الفنية يشبه المنزل الذي نريد بناءه، وبالتالي يمكن أن يكون وسيعاً، ويمكن أن يكون ضيقاً، وهذا بطبيعة الحال يرتبط برغبة صاحب البناء، وهو مرتبط بإمكانيته وذوقه الفني، والفنان قد يصنع من المكان الطلل، وحتى من الخرائب مكاناً جميلاً يدهش أولئك الذين مروا كثيراً من جانبه من دون أن يلقى منهم أي اهتمام، لكن المسألة نسبية على كلّ حال، وهي تزيد وتنقص حسب الحاجة إليها، وهو ونقصد المكان هنا مرتبط بالزمن في أغلب الأحيان، وبالتالي حصر الواقع بينهما، وهذا قد يظهر وينطبق على النصوص التي يحاول أصحابها كسر تراتيبة السرد السائد، والثورة على المألوف والمتعارف عليه هروباً من الأزمنة والأمكنة نحو المستقبل، ونحو الحداثة وما بعدها، وذلك هو الفعل الصعب وربما الخارق، لأن الإنسان بطبيعته ابن الزمان والمكان، والزمن هو القصة وهي تتشكل وهو الإيقاع، الزمن في الأدب هو الزمن الإنساني كما تقول “سيزا قاسم” وتضيف أيضاً : “المكان حقيقة معاشة ويؤثر في البشر بالقدر نفسه الذي يؤثرون به، فلا يوجد مكان فارغ أو سلبي، ويحمل المكان في طياته قيماً تنتج من التنظيم المعماري كما تنتج من التوظيف الاجتماعي، فيفرض كلّ مكان سلوكاً خاصاً على الناس الذين يلجون إليه”.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



