نوافذ

الكاتب الراصد والبطل المختفي

محمد الحفري

الكاتب يغامر وحده كما يقول “صموئيل بيكت” ليصوغ من أنغام الحياة المتناثرة لحناً متميزاً تسمعه، فتصحو كأنك كنت في غفلة، يصدح داخلك هاتفاً: أنا أكتشف ذاتي الآن .

وإذ نبدأ بالاكتشاف الذي يشعر الإنسان بالسعادة الغامرة، ففيه إضافة لذلك تحقيق لنجاحات قد تتوالى، وتتابع لأنها تدفع الكاتب إلى الثقة بنفسه من ناحية، وتترافق مع قلقه وهواجسه من ناحية أخرى، وذلك القلق هو بالذات ما يدفعه للحفاظ على سوية عمله الفني، وتلك الهواجس على الرغم مما فيها تخفف عن نفسه ثقل الواقع وهمومه وأوزاره ، أو تحيده وتبعده ولو قليلاً، لينشغل في هموم الكتابة.

يقول خليل جاسم الحميدي:” لم أجد شيئاً يعزيني أو يخفف عني وقع المصيبة وفجائعيتها إلا الكتابة، استحضر وجوه الراحلين. أنفخ فيهم من روحي، فأعيدهم إلى الحياة يضحكون، ويلعبون، وينطقون، وأعيد سيرتي الأولى معهم أكثر مما عشت، لأنهم ليسوا مثلي، فهم لا يهرمون أبداً، ولا يشيخون. أليست الحكايات أغنى من الحياة ؟ أليست الحكايات هي الحياة وقد تأبدت ؟ فهل أطلب من القصة أكثر من إعادة الحياة لمن لا أستطيع العيش دونهم”

ولنعترف أولاً أن اختيار البطل أو وجوده هي إحدى معضلات وإشكاليات القصة القصيرة جداً، ولنعترف أيضاً أن القصة القصيرة جداً “لا تعنى، ولا تأبه بتسمية الشخصية باسم علم متداول على غرار السرديات الأخرى، لأن طي الاسم وعدم التصريح به، يفيد التعميم والشمولية” كما هو وارد في كتاب القصة القصيرة جداً بين التبعية والاستقلال.

اللغة العالية في القص القصير كما نرى قد تكون سبباً في عدم قدرتها على النطق بلسان أبطالها البسطاء، وللأمانة يجب القول أن مسألة البطل المشوش، أو الغائب الذي لا تتضح معالمه كما يجب في القص القصير، قد تم تجاوزها عند بعض الكتاب، ليظهر البطل  شاهراً نفسه، وهو إن لم يكن كذلك، فثمة دلالات تشير إليه بكلّ وضوح ،وعلى سبيل الاستدلال نستأنس بهذه القصة للكاتب العراقي عبد الكريم السامر التي يقول فيها:”بعد أن مزقتها قذيفة،رسم ظلها على أحد حيطان بيتهما الذي صمد أمام الحرب الأولى، وهاجر. بعد توقف الحرب الثالثة عاد، وجد أن جنازير الدبابات قد دمرت الحائط، ولم يتبقَ من ظلها سوى صورة الشعر المتناثر فوق عينيها”.

وفي هذه القصة مر البطل بثلاث حروب على الرغم من تكثيفها وكلماتها القليلة التي لعب من خلالها على طول الزمن حيث فر بطلها بعد الحرب الأولى، وانتظر نهاية الحرب الثانية والثالثة، وفيها تم تكثيف كلّ الأزمنة بهزائمها وانتصاراتها الواهمة، ومرارتها وعذاباتها، لينتهي العمر والحروب لم تنته، بل هي على وشك الاندلاع من جديد وفي كلّ وقت والجدار الذي رسم عليه وجه الحبيبة قد طحنته الدبابات، وظل المرأة بقي منه ذاك الشعر المتناثر فوق عينيها فقط، أي بمعنى أنها بقيت مجرد ذكرى تلوح ظلالها للحزن الطافي على من هدرت أعمارهم مع الحزن، ومعه فقط .

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى