أوباما والشرق الأوسط‮ .. ‬هل هي نهاية اللحظة الأمريكية؟ (فواز جرجس)

فواز جرجس *

عرض : محمد بسيوني عبدالحليم- باحث في العلوم السياسية


Fawaz A.Gerges ,Obama and The Middle East The End of America‮'‬s Moment
(USA, Palgrave Macmillan, 2012)، ‬


كثيرا ما كانت منطقة الشرق الأوسط توصف بأنها ساحة مفتوحة لكافة اللاعبين الدوليين، وهي الحقيقة التي تنبهت لها الولايات المتحدة منذ عقود،‮ ‬حينما انحسر النفوذ الفرنسي والبريطاني بالمنطقة، ومن ثم سعت‮ ‬للحفاظ على استقرار النفوذ الغربي،‮ ‬لاسيما أن حقبة القطبية الثنائية شهدت تنازعا واضحا على اجتذاب المنطقة مع الاتحاد السوفيتي السابق‮. ‬ ولكن مع حسم هذا الصراع لصالح الولايات المتحدة،‮ ‬دخل النظام العالمي ومعه الشرق الأوسط إلى حقبة جديدة،‮ ‬أطلق عليها الرئيس الأمريكي الأسبق،‮ ‬بوش الأب،‮ "‬النظام العالمي الجديد‮".‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ففي عهد القطبية الأحادية،‮ ‬كرست الإدارات الأمريكية لتوازنات استراتيجية بالشرق الأوسط تحافظ على مصالحها، وهي المقاربة التي أوجدت إشكالية رئيسية في تفاعل السياسة الأمريكية مع المنطقة‮. ‬إذ إن التناقض بدا واضحا بين خطاب المثالية الأمريكية الداعم للديمقراطية وحقوق الإنسان،‮ ‬وخطاب البراجماتية الباحث عن المصلحة‮. ‬وقد تجددت هذه الإشكالية مع وصول الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض‮.‬‬‬‬‬‬
وفي هذا الصدد،‮ ‬يحاول فواز جرجس في كتابه‮ "‬أوباما والشرق الأوسط‮.. ‬هل هي نهاية اللحظة الأمريكية؟‮" ‬الإجابة على عدد من التساؤلات حول مدي التغير الذي طرأ على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط،‮ ‬بعد تولي أوباما الرئاسة‮. ‬ويتناول جرجس‮ ‬من خلال الكتاب المكون من ستة فصول‮ ‬تلك السياسة عبر منهجية تمزج بين رؤية تاريخية للدور الأمريكي بالمنطقة،‮ ‬وطرح نماذج‮ – ‬دراسة حالة‮- ‬لقضايا رئيسية،‮ ‬وكيفية تفاعل إدارة أوباما معها‮.‬

الولايات المتحدة والشرق الأوسط‮ .. ‬رؤية تاريخية‮‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

عقب انتهاء الحرب العالمية الأولي،‮ ‬طرحت الولايات المتحدة نفسها كقوة عالمية تتبني خطابا أخلاقيا،‮ ‬عبر عنه إعلان المبادئ الذي قدمه الرئيس الأمريكي ويلسون،‮ ‬وهو الأمر الذي انعكس على تفاعل منطقة الشرق الأوسط مع هذه القوة العالمية الصاعدة،‮ ‬حيث سادت نظرة رومانسية لواشنطن، وبدا أن القوة الناعمة الأمريكية تكتسب أهمية متزايدة لدي شعوب المنطقة‮.‬‬‬‬‬‬
ولكن هذه الصورة المثالية سرعان ما تبددت‮ – ‬بحسب جرجس‮- ‬مع تأسيس دولة إسرائيل عام ‮ ‬1948،‮ ‬فالسياسات الأمريكية،‮ ‬منذ ذلك الحين،‮ ‬تركزت بالأساس على الحفاظ على أمن إسرائيل،‮ ‬فضلا عن تأمين الوصول لمصادر النفط بالخليج‮. ‬ويضيف أن الحرب الباردة أدخلت العلاقة بين الإدارات الأمريكية والمنطقة إلى سياق جديد،‮ ‬إذ إن واشنطن تعاملت معها من منطلق القطبية الثنائية‮. ‬وقد عبر عن هذا مبدأ أيزنهاور،‮ ‬إبان عقد الخمسينيات من القرن المنصرم،‮ ‬حيث سعت الإدارة الأمريكية آنذاك إلى ملء الفراغ‮ ‬الاستراتيجي الناجم عن تراجع النفوذ الأوروبي في المنطقة بصورة تمكنها من مواجهة النفوذ السوفيتي‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ومع انهيار الاتحاد السوفيتي السابق في ديسمبر‮ ‬1991،‮ ‬انفردت الولايات المتحدة بقمة النظام العالمي،‮ ‬وبات خطاب البرجماتية هو الموجه لسياسات واشنطن تجاه الشرق الأوسط،‮ ‬لاسيما مع الغياب السوفيتي عن المشهد، والذي كان يفرض بعض القيود على التحركات الأمريكية‮.‬

ثلاثة تحديات أمام إدارة أوباما‮‬

سعي الرئيس الأمريكي باراك أوباما،‮ ‬عقب توليه الرئاسة في العشرين من يناير‮ ‬2009،‮ ‬إلى تقديم خطاب تصالحي مع العالم العربي والإسلامي،‮ ‬إذ إن المنطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة عدة مآزق كانت الولايات المتحدة طرفا حاضرا فيها‮.‬ وهنا،‮ ‬يشير جرجس إلى أن إدارة أوباما منذ يومها الأول وهي تواجه مشكلات فعلية في الشرق الأوسط،‮ ‬تمثلت في‮:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أولا‮- ‬الإرث الثقيل الذي تركه بوش الابن والمحافظون الجدد،‮ ‬والأجندة التي حاولت الإدارة الأمريكية فرضها على المنطقة خلال تلك السنوات،‮ ‬عبر ما أطلقت عليه الحرب على الإرهاب، وتوظيف هذه الحرب في الضغط على النظم القائمة،‮ ‬فضلا عن الإطاحة بنظامي طالبان في أفغانستان،‮ ‬وصدام حسين في العراق،‮ ‬ومن ثم فرضت هذه المعطيات على أوباما البحث عن صيغة توافقية للتعايش مع المنطقة،‮ ‬وتجاوز الحالة العدائية التي خلفتها سياسات بوش الابن‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ثانيا‮ – ‬ثورات الربيع العربي،‮ ‬والإطاحة بعدد من الأنظمة الحليفة لواشنطن بصورة بدا معها أن المنطقة على حافة تحولات كبري في توازنات القوي،‮ ‬وهو الأمر الذي شكل ضغوطا على إدارة أوباما‮. ‬يضاف إلى ذلك نهج الانتقائية الذي تعاملت به الولايات المتحدة مع هذه الثورات،‮ ‬وما أدي إليه من تزايد الهوة بين شعوب المنطقة والإدارة الأمريكية‮.‬‬‬‬‬‬‬
ثالثا‮ – ‬التحولات التي شهدها النظام الدولي،‮ ‬وصعود عدد من القوي الصاعدة،‮ ‬مثل البرازيل،‮ ‬وروسيا،‮ ‬والهند،‮ ‬والصين،‮ ‬ومن ثم بحثت هذه القوي عن الوجود في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يمثل خصما من النفوذ الأمريكي في المنطقة‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬

إدارة أوباما وأزمات الشرق الأوسط‮‬

وينتقل جرجس إلى تقديم نماذج لتفاعل أوباما مع قضايا الشرق الأوسط‮. ‬فعلى صعيد الصراع العربي‮ – ‬الإسرائيلي استمرت الأطر الحاكمة نفسها‮ ‬في تعامل واشنطن مع تل أبيب،‮ ‬بالرغم من فترة التأزم التي شهدتها العلاقة بين الدولتين،‮ ‬عقب انتقادات أوباما لسياسة نتنياهو الاستيطانية‮. ‬فالإدارة الأمريكية أكدت التزامها بالحفاظ على أمن إسرائيل،‮ ‬في ظل ضغوط اللوبي اليهودي‮ ‬بصورة قيدت من أي تحركات تجاه تسوية الصراع‮. ‬وبالتالي،‮ ‬كانت المحصلة النهائية المزيد من التأزم في علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة،‮ ‬وتراجع القوة الناعمة الأمريكية‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وفي سياق متصل،‮ ‬لم يشهد ملف التعامل مع القوي المحورية في المنطقة تغيرات واضحة،‮ ‬بل على العكس تزايدت تعقيدات المشهد‮. ‬فالملف الإيراني لم يراوح مكانه،‮ ‬وثورات الربيع العربي أفقدت الولايات المتحدة حلفاء رئيسيين،‮ ‬وأفضت إلى تغيرات في أوضاع،‮ ‬كثيرا ما عولت واشنطن على استمراريتها‮.‬‬‬‬‬‬‬‬
ويذكر الكاتب أن أوباما طرح في مستهل حكمه خطابا مغايرا يتسم بقدر كبير من المثالية،‮ ‬في محاولة لاستدعاء أفكار جوزيف ناي عن القوة الناعمة في السياسة الخارجية‮. ‬ولكن السياسات الفعلية لم تتجاوز مرحلة الخطاب،‮ ‬وبدا أن سياسة أوباما لا تختلف كثيرا عن سياسات بوش،‮ ‬خاصة في التعامل مع ملف الحرب على الإرهاب‮. ‬واستمرت المقاربة نفسها‮ ‬عبر استخدام هجمات الطائرات بدون طيار،‮ ‬وعدم إغلاق معتقل جوانتانامو‮. ‬وعطفا على ما سبق،‮ ‬فإن المنطقة مرشحة للمزيد من التطرف كرد فعل لسياسات واشنطن‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ويخلص جرجس إلى أن النفوذ الأمريكي بالمنطقة لم يعد كما كان،‮ ‬فمؤشرات التراجع أكثر وضوحا،‮ ‬كما أن أوباما لم يشكل تغيرا كبيرا في السياسة الأمريكية،‮ "‬فواشنطن هي التي‮ ‬غيرت أوباما،‮ ‬بدلا من أن يحدث العكس‮".‬‬‬‬‬‬‬

*باحث أمريكي لبناني الأصل متخصص في شئون االشرق الأوسط

مجلة السياسة الدولية (تصدر عن مؤسسة الأهرام المصرية)

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى