
نعم. مجنون كان له الدور الأبرز في بناء النسخة الأولى والأساس لقاموس أكسفورد. وفي إسهام هذا المجنون العبقري في توثيق اللغة الإنجليزية وجمعها والاستدلال عليها في النصوص والوثائق قصة معبرة استدعتها ما كتبناها الأسبوع الماضي عن “كلمة العام” لهذا القاموس الذي يعتبر من أهم وأكبر القواميس في العالم وأكثرها تأثيرا.
قصة المجنون هذا هي نفسها قصة بناء القاموس، وثقها سيمون وينشستر في روايته التوثيقية (البروفيسور والمجنون). والتي استلهمنا من عنوانها عنوان مادتنا هذه. والتي أستوحى المخرج فرهارد صافينيا بالاعتماد عليها فيلما رائعا بنفس العنوان. تقول القصة أن جامعة أكسفورد في القرن التاسع عشر كلفت جيمس موراي بجمع كلمات وتعابير اللغة الإنجليزية مع مصادرها وأماكن ورودها لتشكل قاموسا يحفظ اللغة ومعانيها وتعابيرها. وبعد انطلاق موراي بالعملية وجد أن الأمر شاق جدا وصعب، وعندما وصل إلى حافة العجز طلب من الجمهور مساعدته عبر إعلان قال فيه (أرسلوا لنا قصاصات من نصوص تحتوي على كلمات تحتاج إلى توثيق). ومباشرة وصلته مساهمات من شخص يدعى ويليام ماينور. وانتبه موراي أن مساهمات ماينور غزيره وكثيفة ودقيقة ومهمة، حيث كان يستخرج كلمات غير موثقة أو يجد استعمالات لغوية قديمة، ثم يكتب الجملة كاملة ويذكر مصدرها والصفحة التي وردت فيها وتاريخ صدورها بدقة. وكان يستخرج كل ذلك من الأدب الإنجليزي والنصوص التاريخية والوثائق النادرة. واستمر ماينور بإرسال قصاصاته لسنوات طويلة. وبذلك ساهم في بناء القاموس بعشرات الآلاف من الشواهد وبالآلاف من الكلمات. وكان ما يرسله متفوقا على كل مساهمات الآخرين. وعندما كان يطلب موراي منه كلمة عجز عن الوصول إلى معناها. كان يجيبه ماينور في اليوم التالي بكل ما يتعلق بهذه الكلمة. فسحر موراي بعمل ماينور وظنه يعيش في قرية نائية بهدوء. وفي العام 1891 عندما قام موراي بزيارة ماينور ليكرمه وجده يعيش في مصحة عقلية وحوله حرس وممرضين. وعرف لحظتها أنه يتعامل مع مجنون. نعم ويليام ماينور كان مجنونا ومحكوما ويعيش في مصحة جنائية.
ويليام ماينور كان طبيبا جراحا. وبسبب ما شاهد وعاينه من فظائع أثناء مشاركته في الحرب الأهلية الأمريكية أصيب بالهلوسات والبارانويا. وخرج من الحرب الأهلية مضطربا في عقله يعاني من هلوسات وأوهام. وفي العام 1872 كان يعيش في لندن وتوهم أن أحدا يلاحقه فأطلق عليه النار وقتل شخصا بريئا. ولكن المحكمة وبسبب اضطرابه العقلي حكمت عليه بالسجن في مصحة ويندور الجنائية. حيث جمع حوله مكتبة كبيرة وكان يقضي الوقت في القراءة. وعندما عرف بدعوة موراي لإرسال قصاصات المعاني وجد فيها ما يشبع نهمه للقراءة والبحث والاستلهام الثقافي وللمعرفة. وهكذا فإن الحرب الأهلية بفظاعاتها جننته، والثقافة والمعرفة واللغة كانت سلواه ومهدئته ومعينه على هلوساته. وقال عنه جيمس موراي الذي أصبح صديقه الودود، والذي امتدت صداقته معه لسنوات، قال عنه (ماينور كان من ألمع العقول التي ساهمت في بناء القاموس رغم سجنه ضمن نفسه أولا وفي المصحة ثانيا). وحكاية ماينور لا تفضح فظاعة وبشاعة الحرب الأهلية على العقل البشري فقط، بل تكشف ما تفعله الثقافة والمعرفة في اتاحة إمكانية استمرار الحياة رغم الجنون. كما أن في قصة ماينور ما يشير إلى أن الحقيقة التي أكدها ميشيل فوكو من أن (الجنون ليس إلا عقلا مختلفا عن العقل السائد) من هنا يجب احترامه ورعايته والاستفادة منه.
ولتمييز الجنون عن الهبل، فإن أهل الشام يميزون بين الاجدب الذي يتصرف بلا عقل وبين المجنون الذي يتصرف بعقل مختلف عن العقل السائد. والأمويون سبقوا العالم في إنسانية التعامل مع المجانين. حيث اعتبروا الجنون مرضا. أو رأوا أنه حالة معرفية خاصة. والعرب عامة ميزوا بين المجانين والحمقى. وهناك كتاب مفقود للجاحظ يدور حول “المجانين” وكثير من أئمة الفقهاء والمحدثين اعتنوا بتدوين ودراسة وحفظ أقوال المجانين وأشعارهم ونوادرهم. ويقال أن الإمام الشفعي حفظ ل400 شاعر مجنون. واهتمت اللغة العربية بمعنى الجنون، ووصل عدد مترادفات كلمة الجنون في لسان العرب إلى 80 مفردة. ويروى أن “أبي الدنيا” صنف كتابا بعنوان (حكمة المجانين). ولعل في عنوان هذا الكتاب ما يشبه حالة ما ينور وما يؤكد القول العربي “خذوا الحكمة من أفواه المجانين”.
إذا كانت حكاية ماينور واسهامه في بناء أوكسفورد ما يؤكد عمق العقل الإنساني المبدع حتى لو أصيب بفظائع الحرب الأهلية، فإن حضارة العرب ميزت بين المجنون كعقل مختلف يحمل حكمة خاصة، وبين الأجدب الأهبل الذي لا يتجاوز بتفاهته الكائنات الدنيا. وفي حين تستفيد المجتمعات الحضارية حتى من عقل المجانين المبدع، فإن أنظمة التفاهة لا تبعد العقلاء الأكفاء فقط، بل تقمعهم بالعنف أو بالإهمال، وتفظع بقسوتها على إبداع عقل المجانين. وتركز استراتيجية تفاهتها على اعتماد الجدبان فقط لأنهم موالين ولا يترددون في ممارسة التفاهة المتأنقة بالسلطة لهدم وتدمير الحاضر والمستقبل.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة
لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك
لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

