حكايات أهل الشام : حكاية صخرة “اذكريني دائما” في الربوة ( الحلقة 4 والأخيرة)

دمشق ــ تحقيق خاص بوابة الشرق الأوسط الجديدة

لم يأت العجوز في اليوم التالي، ليتم لي حكايته عن حارة الورد.. غاب عن الجامع عدة أيام، ظننت فيها أنه لن يأتي بعدها، أو أن شيئا ما أصابه، فحال دون قدومه إلى صلاة المغرب التي اعتاد على أدائها في هذا المكان كما أخبرني.

كانت التفاصيل الصغيرة التي حكاها لي عن ” بيت الأستاذ” وعن “أبو الورد” تتداخل بعضها ببعض، وتبحث عن تفاصيل أخرى لتتشكل الحكاية، وحكاية الحكاية واحدة من حكايات مدينة نحبها ونتعلق بالانتماء إليها !

في اليوم الرابع، قررتُ البحث عنه في أماكن أخرى، واستقر رأيي أن أذهبَ إلى حي العمارة، وذهبتُ إليه بالفعل، فوجدته واسعا متشعبا، رغم قربه من سوق ساروجة. تتداخل حاراته إلى الدرجة التي وجدت نفسي فيها أصلُ إلى أحياءَ أبعد منه ، فإذا أنأ أمرّ من جوار جامع الست رقية وجوار المكتبة الظاهرية، ثم أجد نفسي على قاب قوسين من قبر صلاح الدين المجاور للمسجد الأموي ..

ومع ذلك لم أجد العجوز !

انتبهت إلى حقيقة مهمة، وهي أني لم أتعرف على اسمه، فقد كنت أناديه بالحاج، وأحيانا بالعم، ولم تحصل مصادفة تفرض عليّ سؤاله عن اسمه !

قبل أن أصل إلى حي العمارة، قطعت شارع الثورة وصعدت بضع درجات أوصلتني إلى سوق الهال القديم، ثم إلى حارة العقيبة.. كنت أمشي، وكأني أبحث عن ابن ضائع فقدته بين الناس. سألت عنه بلهفة شيخا يخرج من جامع التوبة :

ــ هناك عجوز أبحث عنه محني الظهر يضع على رأسه شالا أبيض رُسمت عليه خيوط من قصب!

وكان أول رد سمعتُه :

ــ ما اسمه ؟!

ومع ذلك لم أتوقف عن البحث، ولم يتوقف الآخرون عن سؤالي “ما اسمه؟” إلى أن أصابني يأس كبير ولم يعد لدي أي أمل في استكمال حكاية “أبو الورد” الذي أصبح اسمه “المغضوب”!

***

بعد أسبوع واحد وجدته!

سيطرتْ عليّ في ذلك اليوم سعادة غريبة طيلة النهار. قطعت ساحة المحافظة قرب تمثال يوسف العظمة محاولا الوصول إلى السبع بحرات، فإذا بي أنحرف نحو سوق ساروجة. كنت جائعا، فاستقر رأيي على تناول صحن من الفول في محل الحمصاني المقابل لحارة قولي، وما إن خرجت شبعانا، حتى رأيته يمشي الهوينى قادما من جهة سوق الخجا الجديد، فاشتعلت بالسعادة، وأقدمت عليه وحييته :

ــ مساء الخير ياحاج . شغلتْ بالي !

وقف في وسط الطريق . نظر إليّ نظرة عميقة مستفهمة جعلتني أفهم أنه نسيني، فأوضحت له :

ــ أنسيتني؟! تعرفتُ عليك في جامع الورد، وحكيت لي عن “أبو الورد”.. “المغضوب” يعني.. ولم تتم لي القصة !

ضحك العجوز . أدخلتْ ضحكتُه السعادة إلى قلبي . ورد التحية متأخرا :

ــ وعليكم السلام يا بني ..

نظرت إلى مئذنة جامع الورد، لأتأكد أنه لم يحن بعد موعد أذان المغرب. كانت أشعة الشمس لا تزال تضيء شيئا من جبل قاسيون الذي يلوح من آخر الشارع . فدعوته للجلوس على كرسي في مطعم قريب :

ــ تعال نجلس هنا، ريثما يحين موعد الأذان ، فنذهب إلى جامع الورد .

جلس العجوز، وأتم الحكاية بناء على إلحاحي. حكى لي نصف ساعة من تفاصيل قصة “أبو الورد”، ولم ننتبه، أنا وهو، إلى أن أذان المغرب قد حل إلا عندما ارتفع صوت الأذان !

***

قال العجوز يكمل بقية الحكاية :

ــ ماتت والدة أبي الورد، فتصدع البيتْ ، تغيرتْ ألوانُ جدرانه من الداخل كأن حريقا شب فيه، وكان الفارق بين وفاة أمه، وبين وفاة أبيه (الأستاذ) أقل من شهرين، وفيهما كان أبو الورد يتجول شاردا في حارات الشام، فيظن الناس أنه مصاب في عقله، وكان كثيرون من المارة يتحسرون عليه وعلى شبابه !

وفجأة، وقعت البلوى. البلوى التي تسميها أنت الحب . وقع أبو الورد في حب فتاة يقال إن أصلها من الشاغور سكنتْ مع أهلها في دار قريبة من حارة الورد تجاور بيت خالد العظم الكائن في الطريق إلى العقيبة !

هذه الفتاة هي (شام) التي حدثتك عنها. ويقال إنه كان يعرفها من قبل، وإنها زارت بيتهم كثيرا برفقة أمها. لم يكن أبو الورد يتوقع أن تصبح شام شاغلة قلبه وأحاسيسه وعمره فيما بعد..

وفي أصل الحكاية أنه، عندما شاهدها في أحد الأسواق تمشي وحيدة محتشمة، اقترب منها ، فأحرجها، لكنها عرفته وأرادت أن تمضي في سيرها، وعندما ألحّ ترددتْ، ثم مالت إليه، ثم استجابتْ لأحاسيس قلبه. شعر أن شيئا ما سيطر عليه . فالبلاء عندما يأتي موعده لا يرده إلا الله !

وتنهد العجوز بحسرة، وكأنه عاش شيئا شبيها، ثم قال :

ــ نعم . الحب يمكن أن يصبح بلاء!

وتابع الحكاية :

ــ أخرجته (شام) مما هو فيه، وظن أن اللعنة ستنتهي، وأن الورد سيعود إلى بيتهم في حارة الورد، وربما كان قد نسي الشطر الآخر من غضب أمه، ألم تطلب من الله أن يحوّل الورود بين يديه إلى شوك، وأن يموت بحسرة من يحب..

فعل الحب فعله، ولاحظ جيرانه تغير معنوياته، ويقولون إنه عاد يمشي بثقة في النفس، وشاهدوه يستغفر الله عن إغضاب أمه..

انتصبت قامة أبي الورد من جديد، فهو طويل كالرمح، يرتدي شروالا أسود وشالا أبيض . كشفت الأحاسيس الجديدة عن جمال وجهه، ولم يتمكن الشعر الكثيف عند حاجبيه من إخفاء صورة السعادة، وسأل كثيرون عمن غيّر في أحواله، وخاصة أنه لم تكن قد مضت أيام على وفاة أبيه (الأستاذ)..

صار أبو الورد رقيقا عذبا، ولاقت رقتّه وحلاوةُ حديثه الرضا في نفس (شام)، فأحبته وكانت تلتقيه في سوق الخجا القديم المتصل بباب القلعة، وفي كل مرة تخبره أنها يائسة وتشعر أن الحياة لن تجمعهما، وكان يخبرها دائما أنه سيأخذ حصته من تركة أبيه ويغادرا المكان بعيدا عن حارة الورد ، وأنه يحلم بأن تكون معه!

كان أبو الورد يبيع كل ما يملك في حارة الورد، وكأنه يمضي نحو قدر ما، أو كأنه يعد العدة لرحيل بعيد، وذات مساء ترامى إليه خبر زواج شام من تاجر لبناني وأنها سافرت معه إلى زحلة!

جُنّ جنونه. انحنى ظهره. كبر فجأة . ظهر الشيب على فوديه خلال أسابيع. صارتْ مشاويرُه في حارة الورد قليلة، إلى أن اختفى وغاب عن أنظار سكان الحارة ..

هز العجوز رأسه، وكأنه أراد أن ينهي الحكاية دون تفاصيل إضافية، ثم قال دون أن يدري أنه أعادني إلى طفولتي ولهفتي لمعرفة قصة صخرة الربوة :

ــ اشترى ” أبو الورد” حاكورة صبار في المهاجرين، وعندما ترامت قصته عرف في حي المهاجرين بالمغضوب. كانت حاكورة الصبار تطل على دمشق من جهة الربوة، وصارت تُعرف بحاكورة المغضوب..

وصمت العجوز. لم أكن أتوقع أن تنتهي الحكاية سريعا على هذا النحو.

نظر إلي، وأحس أن على لساني كلام كثير وأسئلة أريد الاستفسار عن أجوبتها. أو أنني أعرف تفاصيل أخرى عن حكايته الأسطورية التي رواها سريعا ليذهب للصلاة .. أراد أن يكثفها لي ، فقال وهو يحتضن عكازه المعكوفة عند ذقنه :

ــ اسمع يا بني . أنت سألتني عن الورد في حارة الورد . هذه هي قصة الورد، ولكي تعرف جيدا ما حصل لأبي الورد، فقد عاش في حاكورة الصبار عند كتف الربوة وحيدا حزينا، متجهم الوجه، يبيع الصبار بصمت ، ويقولون : إنه كتب على صخرة قريبة من حاكورته : اذكريني دائما . لكي تتذكره “شام” كلما ذهبت إلى زحلة أو عادت منها، وكان يرفض الحديث عنها ، ويردد : (الله يستر عليها) بل ويخبر الناس بقصص أخرى من خياله عن حكاية الصخرة ليبعد الشبهة عن شام ..
وإلى اليوم يظنون أن كاتب الكلمات قتل نفسه، ولا أحد يعرف أنها لعنة حلت بأبي الورد، وأن الورد تحول بين يديه إلى صبار وأن الحب جعله في عزلة أخيرة يحكي الناس أكثر من قصة عنها !

وتركني العجوز، وخلع نعليه وهو يدخل إلى جامع الورد، وبقيتُ عند عتبة الجامع أسدّ الطريق أمام القادمين إلى الصلاة، وشعرتُ أن علي أن أستعيد جيدا ما قاله لي بائع الصبار ذات يوم !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى