كتب

إلهي، إلهي لما أنمتني

 ” كانت آخر كلمات سامي: إلهي،  إلهي لما أنمتني؟” والنوم معادل الموت وقد وصفه الرسول بالموت الأصغر أو أخو الموت . فالسؤال يحوي بداخله ذلك القلق الوجودي القديم الذي أرّق الإنسان منذ تفتح وعيه فأنكر فناءه، وبحث بنفسه عن الخلود وأدرك أنه محال إذ أكلت عشبته الأفعى في ملحمة جلجامش وبعد أن ابتكر العبادات وطقوسها مستعطفاً آلهة الكون لتعفيه مما يحمله الجواب من التخلي. ارتقى نشيده إلى مرحلة العتاب الروحي لما يتجاوز قدرته في الإحاطة، عتابٌ للقدرة التي تزجه في محنة السؤال باسم المشيئة.

يذكرنا السؤال بصرخة المسيح المعاتبة

“– إلهي، إلهي لما شبقتني”.

وبقي العدم في الذهن البشري ينظر بعينه السوداء إلى الإنسان؛ في محاولاته الخروج من دوائر التاريخ اللولبية التي كانت تحيله إلى نفسه مهما تغيرت أطوارها وارتدت الأغرب أو الأكثر دموية .

متلمساً محاولات الوعي الإنساني، يبحر بنا أيمن مارديني في روايته “خيوط الانطفاء”، الصادرة عن دار الريس عام 2020، ليسجل حضوره قوياً في عالم الرواية كروائي من الطراز الثقيل وليستنفد طاقتك في متابعته والإمساك مرة تلو الأخرى بخيوطه التي يمدها عبر التاريخ والوجدان البشري بأسلوب باذخ أدبياً وزاخر معرفياً، متنقلاً في شخوصه بين الحاضر والماضي وكأنهما يجدلان في توليفة أدبية غرائبية، المستقبل، مؤسساً كلامه بذهب الشعر “ترنيمة عشتار” والتي كان موفقاً جداً باختيارها كمشعل يضيء وعي القارئ. والانطفاء هنا انتهاء دورة يعقبها ابتداء أو اشتعال بالضرورة وموت تقشره ولادة، والانطفاء بهذا المعنى (الضرورة) يتكرر تكرار الظواهر التي تقيم خارجنا ولا يد لنا فيها لكننا نوازيها عبر قدراتنا المحدودة بالمادة وتحولاتها ليس كأفراد بل كنوع.

يقول في الصفحة 228 “وقال البعض إن الأحداث ليست مهمة بتسلسلها المنطقي إن وجد والمغزى هنا ما تحمله في مضمونها نوم، بعث، قيامة، نوم اختفاء”.

وعلى عكس كل الرواة يبدأ روايته بخاتمة؛ مميزاً مكانه من البداية في مخالفة المعتاد، فـ”خيوط الانطفاء” رواية تعج برموز تتحرك في واقعية سحرية بقدر ما تجذب القارئ بقدر ما تربكه في إمساك خيوطها، فأنت على موعد مع أصوات تتداخل وتتشابك لترسم الحدث الذي ينقلب على زمنه فيعود عبر رمزيته إلى شخصيات أخرى تتعارك في الوعي وأحداث منبثقة عنها  ثم يعود بنا إلى زمن الرواية الحاضر حيث الخيط الأساسي للرواية وهو قصة حب (أيمن ونانو) منتهية بقرار أيمن التخلي وكبرياء نانو المدعي بأسبقية التخلي (تذكرنا هذه الأسبقية بادعاء حواء عدم بحثها عن آدم حين سقطا من الجنة لتحافظ على كبريائها) لكنه حب مستمر رغم تعثره مرارا دون أيّ حاجة للتفاحة .

تبدو الرواية تدور على لسان الخال كثير الاطلاع والثقافة والمهتم بكتاب “ألف ليلة وليلة” الذي لا يفارقه، في تلميح إلى تناسل حكايات الرواية على غرار ألف ليلة وليلة ولكنها تخالفها في السعي نحو الهدف، فشهرزاد كانت تتابع الحكايات لينام شهريار فتنجو، بينما الرواية تتابع الحكاية لتصل بنا إلى إدراك لعنة النوم التي تعني اللانجاة. لكن هذا الراوي لا يلبث أن يغيب ليتعدد الرواة ثم لتدير الحكايات نفسها عبر التناسل فتتقاطع في الأزمنة بين الماضي والحاضر والأحلام ويغدو من الصعب تحديدها. إذ قام الكاتب بحياكة نسيجه الروائي بخيوط الزمن موازياً بين أحداث الماضي وجامعاً لها في حاضر ممتد (عبر الوعي الجمعي) تنعدم فيه فواصل التاريخ مقدماً لنا التجربة الإنسانية بأعلى درجات التقاطع بين الفردي والجمعي الذي احتفظ بالمقدس مشيراً إلى أوجه التشارك والتمايز عبر التخييل. فهل يمكننا القول إنه حوّل الزمن إلى لعبة كما فعل بطله سامي؟ يقول عن بطله سامي: حوّل الزمن إلى كرة لعب فكبر وشاخ الزمن ولم يكبر سامي. فهناك ما يصبح عصياً على الزمن لأنه يتجاوزه ويحفظ ديمومته على مر الأيام .

سامي

” سامي نور عيوننا ولا نور يخرج منه“

وسامي المولود بعناء الأم والأب، يحمل على ظهره جناحين صغيرين يمكنانه من الطيران معجزته التي رآها أبوه عيباً وفضيحة وفشلت محاولاته بقصهما، يرفض أن يكون ملاكاً لكنه آخر المحلقين. وهو الحاضر بين أيمن ونانو حتى في موته (نومه) ثم قيامته القصيرة. هو السر الذي يرتدي تارة الحلم وتارة الخطيئة وتارة الغيرة وتارة المكبوت عبر جرح سامي بحب نانو وعبر بقاء الحب لأيمن عند نانو.

وهو الذي يزرع الأسئلة على شفاهنا ولا من مجيب، الساقط عن الشجرة وهو الذي يختاره الأب ليصعد به أو يسري معه إلى الاعلى.

لم يكن الكاتب صاحب روايتي “سيرة الانتهاك” و”غائب عن العشاء الأخير” معنياً بقتل الأب  لكنه يقول في البداية -الخاتمة – : لست أدري هل مات أبي في هذا العام أم الذي سبقه أم الذي تلاه. وفي عام موته اختفى كتاب النائمين .

الكتاب الذي يسجل تاريخ العائلة ويحفظ أنسابها وأحداثها وأشخاصها يقول عنه مارديني هو كتاب كتب بين السماء والأرض ثم يعود ليخبرنا “وما كتاب النائمين وقصته إلا فرع والأصل هو البحث والمعرفة عن منبت العتمة والانطفاء فينا وأصل شجرته” (ص26).

هو إذاً ليس فقط حافظ أنساب عائلة إنه حافظ التغيرات والبناء المعرفي والروحي للبشرية.

فلغة الكتاب عربية أحياناً وأحياناً أخرى لغة غريبة؛ يحوي الوصايا/قصص وأساطير تخص العائلة/قصص “مسروقة من بقية العوائل ومنسوبة لهم زوراً وبهتاناً” (ص 165).

يعيدنا سر الكتاب إلى رواية “أولاد حارتنا” وسر الجد المحفوظ في غرفة معتمة لا أحد يدخلها ولا يعرف ما فيها، لكن مارديني يفارق نجيب محفوظ الذي حافظ على التسلسل الزمني للحدث في روايته مكتفياً بالتورية، بينما يأخذنا مارديني إلى الواقعية السحرية شابكا فيها خيوط الرواية كما في معجزة سامي في امتلاكه جناحين وتحليقه أو ضربه الماء لينفلق ويعبر مع أمه في فرارهما من أسوار الأب المرتفعة والمحصنة والتي تحوي أبواباً سبعة: باب الشرق باسم الدخول وباب الغرب باسم الخروج وباب الشمال باسم الجحيم وباب الجنوب باسم الفردوس وحيث غمرت الأمطار البيت حتى فاضت وصار الماء من كل الجهات، إلى تساقط ريشه في الخريف و رتقها، أو مشهد اختفاء الأب، وتحول ورد النيل إلى نبات، أو مشهد اللقاء في الهرم وغيرها من المشاهد العالية .

هكذا يخيل إليك أنك أمسكت شيفرة الرمز لدى مارديني لتقوم بتصنيف أبطاله والأحداث ليفاجئك بتغيير الشيفرة كل حين كأنما يحاكي آليات الذهن البشري عبر مراحل العصور وهو يسطر ملاحمه الروحية وقصصه التي حكمت سلوكه الاجتماعي ممتدة إلى السياسي، متناولاً الموروث بجرأة الملم بأحداثه والإشارة بإصبع العارف بحيثياته وتمخضاتها فلا تتعجب أن ينتهي به المطاف إلى محاكاة اجتماع السقيفة والذي ما زلنا نرتق حتى الآن صدوعاً تترتب عليه .

ماسكاً خيوط الروي المتوازية عبر الأصوات الراوية بحرفية عالية بين النفسي والاجتماعي والذهني والفلسفي والروحي والأدبي منطلقاً من الحضارة العظيمة للفراعنة، إلى النهاية، لعنة النوم – الموت. لكن يبقى الحب سيد الحكاية لم تستطع كل المتغيرات المساس به أو جعله هامشياً في حياة الإنسان. كما الجنس الذي يعود به إلى احتفاليته المقدسة والملهمة والشهية للحياة فهو فعل تقديس الحياة ويقارب الخلق إذ يقارن بين الفعل الجنسي والتكامل بين العتمة والنور حيث يفض النور بكارة العتمة كل يوم لينطفئ في قلبها ثم ينهض مرة أخرى وهذا التبادل في الأدوار بين العتمة والنور هو فعل التبدل والتعاقب كمظهر من مظاهر الحياة الأبدي الحدوث كما في فعل الجنس كحافظ للنوع، قد يبدو أن الكاتب يقوم بتقديم الفعل الذكوري من خلال علاقة النور بالعتمة السابقة في الوجود (هي الملكة أبدية لا تموت) وفك بكارتها هي التي لا أحد يستطيع سبر أغوارها (في مشهد من أجمل وأرفع المشاهد أدبياً) ليقول لنا إن الخلق ليس كما أشاعته الديانات الأمومية بل هو فعل التكامل في التبدل بين العتمة والنور، فالسائل المنوي هو النور الذي لولاه ما كانت الحياة لكن هذا لا يحميه من الانطفاء بعدها في انطفاء اللذة، وهذا الفعل لا يعني الموت بل هو التكرار المخصب للحياة بشطريها المادي والروحي، وتقديم الفعل الذكوري هذا والذي هو أساس الانقلاب الأبوي في التاريخ، لا يحمي الذكر بل يزيل عن حواء عبء الخطيئة حيث يتقدم آدم ليحمل فعل أكل التفاحة رغم أنه حاول الاختباء وراء إغواء المرأة لكنه في الحقيقة الفعل الذي حمله كصخرة سيزيف وحمله نسله بعده .

وبالعودة إلى العلاقة مع الأب يقول “كُنّي أبي بأبي الوليد إلا أن وليده هذا لم يولد ولم يكن له كفؤا أحد”.

ثم “أبي من أثير يملأ كل المكان لا ملمس له تحس به في داخلك وتشم روائحه تكاد تتذوق اثرها على طرف لسانك لكنه غائب خفي”.

ويخبرنا أنه حتى آخر أيامه كان يحتفظ بقدرته الجنسية مشيراً إلى حمله بذرة الحياة مكتملاً بقداسته لكنه يختفي أخيراً وهو على فراش الموت ويتماهى بسحابة كناية عن صعوده الملغز وبقائه حياً في هذا الاستمرار.

والأب كان معادلاً للابن (قوة القديم مساوية لقوة الجديد وهذا ما يفسر مراوحتنا في نفس الدائرة) فقد بقيت بينهما مباراة الشطرنج قائمة حتى النهاية وكانت تستمر أياماً طوالاً دون رابح. لم يقم الابن القوي بقتل والده بل حافظ على احترامه والعناية به، حتى أنه يعتذر منه لبعض إهمال غير مقصود فهو الابن البار الذي لن يقوى على تجاوز قدسية الأب مهما ماثله أو كان نداً له والجديد هنا لا ينفي السابق كأن عجلة التطور لم تمر في سياقهما بل غيرت التسميات وحسب. فهل تحول الأب إلى صخرة سيزيف الشرق حتى أن أم سامي تخفي في نفسها بعض اتهام لأبي سامي بنوم ابنها في إشارة لاحتمال قتل الأب للابن وليس العكس كما حدث في الشاهنامة على لسان الفردوسي.

يعمل البطل أيمن كطيار كما أن سامي يملك جناحين تمكنه من الطيران وهذه كانت معجزته كما سبق، يحاول تقليده أولاد الحي ويفشلون، تلك الرغبة بالانعتاق والذهاب بالحلم إلى أقصاه فهذا التعلق والإغواء لمفارقة الأرض والالتحام بالسماء في حدث الطيران (الواقعي- أيمن والرمزي – سامي) يحيلنا إلى العالم الروحي للإنسان وربطه بكل جميل بالسماء حيث الأرض معاناة. وكان سامي يدور ويدور ويضرب بجناحيه حتى يتمكن من التحليق كما يفعل الصوفي للالتحام بالذات الإلهية وبهذا المعنى قوله “هناك الكثيرون يطيرون ولا يعرفون ولا أحد يعرف”. و سامي ليس ملاكاً كما يصفه الآخرون إنه يطير وحسب. فالطيران الحلم (التحليق) إشارة أيضاً إلى الاندغام بالروحي بالمقدس ولهذا يعيدنا مارديني إلى الأس قائلا إن سامي حين أكل التفاحة فقد القدرة على الطيران. بمعنى النزول المادي.

قول

بين الفينة والأخرى يقاطع السرد خط عريض بعنوان “قول” ليكتب خلاصة ما، هي أشبه بالحكمة أو الاستنتاج أو الإحالة إلى ما يشبه الحدث، فهو يخرج من الرواة إلى الراوي الكاتب ليعيد توجيه القارئ إلى مرآته وهذا التدخل يضع مفاصل أو نقاط علام للسير في غابة أفكاره المتشابكة أو ربما هي نقاط إنارة حتى لا يترك القارئ يضيع في هذا التشابك البديع من التخييل.

يقول غرامشي “إن أكثرية الناس يبجلون القيم العامة في مجتمعهم دون أن يدركوا لماذا يتمسكون بآرائهم وقبل كل شيء كيف يبنون هذه الأفكار”.

تنتهي الرواية بخاتمة ثانية حيث يستمر الحب فأيمن يرى نانو في كل النساء ويعيش معها ويحاول أفراد عائلة الساحر وراثة الزعامة بعد موت أبوأيمن ليرثوا كتاب النائمين في ذلك الوقت الذي مات فيه سامي إلى الأبد وعندها يبحث أيمن عن خاله ليجد جواباً عن أسئلته. الخال الذي يستعيد سلطة الراوي فيخبر أيمن أنه قبل موت سامي كان قد اشترى من أحد العطارين أعشاباً تساعده على الراحة والنوم لكنه قد حذره من التمادي في تناولها ومشيراً إلى احتمال أن يكون سامي قد تناولها وكانت سبباً في نومته الأبدية. سامي الذي رافق أبوأيمن في رحلته الطويلة إلى بيت الله من سراب إلى سراب ثم سرى معه إلى بوابة السماء ليتحول من حلم أرضي إلى حلم سماوي حيث يفتح الأب الطريق أمامه إلى الحلم ولتستمر اللعنة في نسل البشر للبحث عن أجوبة لم تشف يوماً ولم ينهها سوى النوم – الموت.

إن مارديني إذ يلاعب فكرة التقديس يضع إشارات تساعد القارئ على تفكيكه، فهذا فعل القارئ بالاستيهامات المتكونة لديه و بالمخزون الثقافي والمقاربات مع التفاصيل عبر تفكيك الحكاية ودمجها مع المقولة وهو إذ يفعل يعيد إلى الأذهان صرخة الإنسان إلى نقائها وبعيداً عن تلك البؤر التي وقع فيها في رحلته فشوه النتائج، إن هي إلا صرخة حداثية للنظر إلى تكامل المقدس وتجاوز الحيثيات إذ تنتهي الرواية بعنوان “اللعنة لعنة النوم” فالكل ماض إلى نومه حتى الطرقات والبحر والنهر والطيور والأصوات والروائح  إنه الفناء المترقب بتجربة الوجود بينما يعترف البطل بأنه لو كان كل ما حدث حقيقيا أو لم يحدث أيا كان مجرد تخيلات كل هذا لا يشفي الأسئلة التي حملته إلى السماء للبحث بامتداد آفاقها. بحث لن ينتهي ولن يجد أجوبته التي يرومها. بينما تستغرق التفاصيل الإنسان بلا نتيجة بل وتعيقه عن متعة الحياة .

لعله أتى اليوم الذي يسعى فيه الإنسان لتشكيل بنية روحية خارج التكرار ليكسب ذاك السلام المنشود والمعادل للخلود فهو الحاوي المدرك عبر استيعابه لكل الأشكال والمنظومات الروحية التي أقامها الوعي في خطابه لمحنة الإنسان في الوجود ومحاولة تجاوزها عبر الصور المنقوشة في الذاكرة الجمعية في مراحل مختلفة هاضماً مبناها الروحي خارجاً من تناقضاتها وحروبها ودمائها المنبجسة في كل سقوط منذ وقوع آدم وحتى الحاضر متلمساً ذاك الخيط الذي تتقافز حوله وعليه حكاية البشرية. ليقودنا في النهاية إلى خط مواز وهو العيش خارج كل هذا القديم والتمتع بالحياة هبة الوجود العظمى.

مجلة الجديد اللندنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى