اختطاف المطرانين والإمارات الأمنية (ميشيل كيلو)

 

ميشيل كيلو

اختطف المطرانان اليازجي وحنا في مكان قريب من حلب، وبعد يوم ونيف تم اطلاق سراحهما فاعتقلتهما على بعد كيلومترات قليلة من مكان الامارة الامنية الاولى قوات امارة امنية ثانية. منذ ذلك الوقت، صار مصيرهما مجهولا.
هذه باختصار شديد قصة اختطاف المطرانين المؤلمة والمحرجة، وقصة قسم كبير من الحال السورية أيضا، التي لم يعد أحد يعرف رأسها من قدميها، ومن يقودها ومن ينقاد لها، وهل نحن حقا في الثورة التي لطالما حلمنا بها وناضلنا في سبيلها، أم اننا انتقلنا الى «هوجة» عمياء، بعد أن نجح النظام وبعض ثوار آخر زمن في تطييف وعسكرة قوى كانت سلمية ووطنية، ومكنت الخلافات والتناقضات من اختراق عديد من تنظيماتها وكتائبها. باختطاف المطرانين تدخل الثورة السورية في طور عراقي، وبدخول «حزب الله» إلى سوريا كي يلتقي رجاله القادمون من الغرب بقوات مقتدى الصدر القادمة من الشرق، وينضموا الى متطوعي «جيش القدس» الإيراني المنقض علينا من السماء، بينما ينتقل أصوليون سوريون إلى العراق من جهة الغرب، لتكتمل عدة الحرب الطائفية الإقليمية، التي بين مستلزماتها قيام الجميع بذبح الجميع، على الهوية أو حتى اذا كانوا من «البدون» العربي والإسلامي.
ليس إنجازا قليل الأهمية على الإطلاق أن يكون عندنا اليوم إمارة أمنية كل عشرة كيلومترات، وان تخضع لقواعد وسياسات لا تتشارك فيها مع أحد، أقله من حيث الظاهر، وإلا كيف نفسر اختطاف مطرانَين مسالمَين وطاعنَين في السن وقتل شماس كان يقود سيارتهما، وإطلاق سراحهما السريع، إن كان من اختطفوهما خططوا حقا للعملية وارسوها على أسس ثابتة أو واضحة، ام انهم اخطأوا في التخطيط والتنفيذ وادركوا خطأهم فقرروا اطلاق سراحهم ليتم اختطاف ثان هو اقرب في حقيقته إلى عملية تسليم منه إلى اختطاف؟ ما هي ملابسات الحدث المحير الذي ما ان سمعنا به حتى وضعنا أيدينا على قلوبنا وقلنا: «يا ساتر استر، اللهم اجعل العاقبة سليمة». واليوم، نظن أن العاقبة لن تكون سليمة، والدليل أن الاختطاف الأول كان علنيا ومعروفا، وبالتالي كان بدائيا وغير مهني، بينما الثاني قوي، لأنه غامض وتسبب في جعلنا نفتقر إلى معلومات جدية عنه، رغم أنه تم تحت سمع وبصر الدنيا، فكأن الأرض انشقت وابتلعت رجلَين فاضلَين لم يؤذيا في حياتهما نملة، اكتمل باختطافهما الثاني اختطافهما الأول وزالت منه عيوبه ونقاط ضعفه، في أغلب الظن.
ليس الحديث عن المطرانين الجليلين غير مقدمة للحديث عن أمر غير جليل وغير مقبول في أية ثورة هو ما اسميته «الإمارات الأمنية»، التي اخذت تنتشر في كل مكان على شكل لجان شعبية موالية للنظام، أو كائنات غريبة تسيطر على اماكن مختلفة من المناطق النائية والفقيرة، وتكمل نشاط اللجان «الثوري» من خلال عمليات النهب وقطع الطرق واختطاف الأبرياء وفرض الأتاوات والخوات، والامتناع المطلق عن رفع سلاحها في وجه السلطة والتركيز على من يعيشون في ظلها، فلا عجب أننا لم نسمع أنها سعت في اي وقت إلى الاندماج مع غيرها من الكتائب والوحدات المقاتلة في مناطق انتشارها، ولا غرابة ان نكون قد سمعنا مؤخرا عن معارك دارت بينها حول الاستيلاء على ممتلكات عامة، وان وظيفتها تقتصر على بث الفوضى في اوساط الشعب والمقاومة بدل مقاتلة النظام، الذي ما ان يخرج من مناطقها حتى تتولى ترويع المواطنات والمواطنين بالنيابة عنه، وتتفرغ للابرياء والمسالمين، حتى إن واحدة منها، هي الكتيبة التي نفذت اختطاف المطرانين الأول، قطعت أصابع شبان شوهدوا يدخنون، فالتدخين عندها فعل جرمي لأنه لم يوجد تبغ في العصر النبوي، ومن يدخن يخرج عن الإسلام ويستحق قطع أصابعه.
هذه المصيبة العمياء، تكتمل باجواء التسبب والفوضى العارمة السائدة في قطاعات من الجيش الحر، الذي يتحول تدريجيا إلى «جيوش» معظمها «ليس حراً» وليس محبا للحرية من قريب أو بعيد، ويدار للاسف الشديد بأيد رخوة جدا، أيد مائية لا تقوى على اتخاذ أي قرار وتنفيذه، وتمارس دورا غير قيادي على الإطلاق، أقرب إلى ما يفعله امين مستودع يوزع ما لديه من مؤن على مناصريه ومحبيه، إن كان عنده شيء يوزعه أو وصلته شحنة ما، وليس دور جهة تستبق الأحداث وتخطط وتنسق وتحشد القوى وتشرف على ميادين القتال وتتابع تطوراتها وتتكفل بامداد المقاتلين بما يلزم من مقومات القتال والانتصار بصورة مسبقة. بسبب استقلالية الإمارات الأمنية وضعف أمانة المستودع، تسود الفوضى أكثر فأكثر حتى لتكاد تعم في كل مكان، وينطبع الوضع بطابع سقوط عام يشمل النظام والثورة، سيهزم فيه من يسقط أولا، وسيكون المنتصر هو الطرف الذي لا يحقق انتصارا بل يؤجل سقوطه إلى ما بعد سقوط خصمه. في أجواء وجود وانتشار»الإمارات الامنية»، لا يكون من المستغرب، بل من الطبيعي، ان نكون وصلنا إلى هنا، وأن لا يقف أحد في طريق قطاع طرق يسمون أنفسهم «جيشا حرا «، والجيش والحرية منهم براء، ولا يستطيع احد فعل شيء ضدهم، بما أن محلية تنظيماتهم تحميهم وتجعلهم قادرين على تعبئة قوات يمكن أن تقاتل أية جهة تحاول كبح جماحهم وحل كتائبهم أو منعها من التشبيح. وللاسف، فإن «الجيش الحر» يفتقر الى قوام منظم أو مستقل يتيح له التصدي لهم، بعد أن غدا ضباطه ورجاله مجرد تجمعات صغيرة استشارية الوظيفة مبثوثة في بحر من مسلحين مدنيين، لا سلطة لاحد عليهم غير قادتهم المحليين، الذين يقودون تشكيلات مؤدلجة وممذهبة وعلى قدر مخيف من التشدد المذهبي والفلتان التنظيمي، فتتوا الثورة الى انشطة جزئية ومحلية، شخصية الطابع غالبا، لا يربطها رابط مع اي جهد مقاوم في بقية أنحاء البلاد، يسمي القائمون بها انفسهم «مجاهدين» رغم انهم لم يجاهدوا ولا يجاهدون خارج مناطقهم، وفي احيان كثيرة خارج أحيائهم وشوارعهم، ويتركون غيرهم يقاتل بمفرده، حتى ان كانت هزيمته تمهد لهزيمتهم، كما حدث مرات متكررة في حمص وادلب، حيث حالت محلية «امير يحرب» دون سقوط «وادي الضيف» الاستراتيجي، وتسببت بالاحرى في سقوط اعداد هائلة من قتلى تنظيميهما المتنافسين، اللذين تبادلا التخلي عن مواقعهما وتركاها للشبيحة والامن، دون أن يقول أحد كلمة لوم او عتاب لهما، او يبعدهما عن مكان صار اليوم ملكا لهما لا يجد غيرهما في نفسه الجرأة على الاقتراب منه او الدخول اليه. هل نستغرب بعد هذا أن يسلم كبار ضباط «الجيش الحر» قيادهم لامراء حرب محليين مدنيين، وأن يكون بين نواب رئيس الاركان دهان وقصاب وكومجي، وأن يقع تبرير هذا الواقع المخيف عبر حجة سخيفة تقول: إن المدنيين هم الذين اطلقوا الثورة ولا بد من إبقائها في ايديهم باعتبارهم اصحابها، فكأن الثورة ملكية خاصة لهم من غير الجائز التدخل فيها لغير أصحابها، مهما أخطأ هؤلاء و«خبصوا» واعتدوا على المواطنين واختطفوهم وفرضوا عليهم الاتاوات وقمعوهم واخضعوهم عمليا للاحكام العرفية وحالة الطوارئ.
لا احد يستطيع انتزاع المقاومة من ايدي الذين «يتسلبطون» عليها من أمراء حرب يعلم الله وحده أن معظمهم لم يكن على علاقة بالثورة في طورها السلمي، وأنه لا يرى اليوم في الثورة غير مغانم شخصية يحصل عليها بطرق كالتي استخدمت في اختطاف المطرانين المسالمين وآلاف السوريات والسوريين المساكين، الذين ظنوا أنهم سيخرجون من الظلم بخروجهم من النظام وعليه، فوقعوا في ظلم لا يقل فظاعة عنه، لانهم وقعوا بين أيدي نصابين ومرتزقة غدوا أمراء حرب، يتحكمون بإمارات أمنية تقاتل الشعب ولا تقاتل النظام، يكمل نشاطها جرائمه ضد الشعب.
ستهزم الثورة السورية او سيكون انتصارها محدودا وبعيد المنال، إذا ما استمر وضعها الراهن، وتواصلت سيطرة أمراء الحرب على إماراتهم الأمنية. ومن يتابع ما يقوله كثيرون داخل سوريا سيجد في نفسه الشجاعة ليقول: إن الناس اخذوا يشكون في نزاهة كثير من الذين يسمون انفسهم «ثوارا»، ويخشون ان يصير موتهم مجانيا وتذهب تضحياتهم هباء.

صحيفة السفير اللبنانية

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى