منذ فجر التاريخ، لم تكن الشعارات مجرد كلمات تُرفع على الجدران أو تُردد في الخطب الجماهيرية، بل كانت دائماً أداةً فعالة لتوجيه الرأي العام وصناعة الأحلام الجماعية وتحريك المشاعر الإنسانية. غير أن المشكلة لا تكمن في الشعار نفسه، بل في المسافة الهائلة التي قد تفصل بين الشعار والواقع، وبين الوعود المعلنة والممارسات الفعلية. وعندما تتسع هذه الفجوة، تتحول الشعارات إلى أوهامٍ جميلة يدفع ثمنها البسطاء، بينما يجني ثمارها المتاجرون بالعواطف والأحلام.
لقد شهد العالم العربي خلال العقود الماضية سيلاً لا ينقطع من الشعارات الكبرى: التحرير، الوحدة، المقاومة، النهضة، العقيدة ،العدالة الاجتماعية ،التنمية الشاملة، محاربة الفساد، بناء الإنسان، واستعادة الكرامة. شعارات بدت في ظاهرها نبيلة ومغرية، لكنها في كثير من الأحيان لم تتجاوز حدود الخطابة السياسية والدعاية الإعلامية، لتبقى بعيدة عن التطبيق الحقيقي على أرض الواقع.
إن أخطر ما في الشعارات الفارغة أنها تمنح الناس أملاً مؤقتاً يخفف من معاناتهم، لكنها في الوقت نفسه تؤجل مواجهتهم للحقيقة. فالإنسان الذي يقتنع بأن جميع مشكلاته سببها عدو خارجي فقط، قد يتوقف عن مساءلة الفساد الداخلي وسوء الإدارة وغياب العدالة وانعدام الكفاءة. وهكذا تصبح الشعارات بمثابة ستار كثيف يُخفى خلفه الفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ولسنوات طويلة، تم إقناع ملايين الناس بأن حل جميع أزماتهم يكمن في تحقيق هدف سياسي أو عسكري معين، ومن خلال افكار حزبية او عقائدية معينة ،وأن الحياة ستتحول بعد ذلك إلى رخاء وازدهار وسعادة. لكن التاريخ أثبت أن الشعوب لا تنهض بالشعارات، والخطابات والمزاودات بل بالمؤسسات، ولا تتقدم بالخطب الحماسية، بل بالتعليم والبحث العلمي وسيادة القانون والشفافية والمحاسبة.
لقد تم استهلاك القضية الفلسطينية، على سبيل المثال، في كثير من الأحيان كشعار سياسي أكثر من كونها قضية إنسانية ووطنية عادلة. فبينما كان المواطن العربي ينتظر التنمية وتحسين مستوى المعيشة وتطوير الخدمات العامة، كانت بعض الأنظمة تجد في الصراع الخارجي شماعة جاهزة تعلق عليها إخفاقاتها الداخلية. وهكذا أصبح من السهل إلقاء اللوم على الآخرين بدلاً من الاعتراف بالأخطاء الذاتية وتصحيحها.
ولا يعني ذلك التقليل من حجم الصراعات الخارجية أو إنكار آثارها السلبية، فالحروب والاحتلالات والصراعات الدولية كانت وما زالت عوامل مؤثرة في المنطقة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول العامل الخارجي إلى التفسير الوحيد لكل الإخفاقات، وعندما يصبح الحديث عن الإصلاح الداخلي نوعاً من الترف أو الخيانة أو الخروج عن الإجماع.
إن مراجعة تاريخ الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة تكشف حقيقة مؤلمة، وهي أن الشعوب العربية والشرق اوسطية عانت في كثير من الأحيان من الاستبداد والفساد وسوء الإدارة بقدر ما عانت من التحديات الخارجية، وربما أكثر. فالسجون امتلأت بالمعارضين، والثروات أُهدرت، والفرص ضاعت، والكفاءات هاجرت، بينما كانت الشعارات الوطنية والقومية والثورية تُرفع في كل مكان.
والمفارقة أن بعض من تصدروا المشهد الفكري أو السياسي أو الإعلامي أو العقائدي تحت رايات مثالية براقة، عاشوا في واقع مختلف تماماً عن ذلك الذي دعوا إليه الجماهير. فقد طالبوا الناس بالصبر وهم يعيشون في الرفاه، ودعوا إلى التضحية بينما كانوا يتمتعون بالامتيازات، وتحدثوا عن الزهد وهم غارقون في مظاهر الثراء. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: ليست في الشعار ذاته، بل في ازدواجية المعايير بين القول والفعل.
إن الشعوب ليست بحاجة إلى مزيد من الخطب الرنانة والمواعظ الفارغة بعكس مايعيشون ويتصرفون ، بل إلى نماذج صادقة تربط بين الكلمات والسلوك. فالإنسان العادي لم يعد يبحث عن وعود مستقبلية غامضة بقدر ما يبحث عن مدرسة جيدة لأبنائه، ومستشفى يحفظ كرامته، وقضاء عادل ينصفه، وفرصة عمل توفر له حياة مستقرة.
كما أن الأمم التي تتعلم من تجاربها هي الأمم القادرة على التقدم. أما المجتمعات التي تعيد إنتاج الأخطاء نفسها مرارا وتكرارا وتصدق الوعود ذاتها في كل جيل، فإنها تظل تدور في الحلقة المفرغة ذاتها. فالتاريخ ليس مجرد سرد للأحداث الماضية، بل هو مدرسة لاستخلاص العبر والدروس. ومن لا يتعلم من الماضي، محكوم عليه بتكراره.
لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة الشعارات إلى ثقافة النتائج، ومن تقديس الخطاب إلى تقييم الأداء، ومن الانبهار بالكلمات إلى قياس الإنجازات. فالأوطان لا تُبنى بالأمنيات، ولا تتحقق النهضة بالتصفيق للحكام أو الزعماء أو المفكرين، بل بالمحاسبة والعمل الجاد والوعي النقدي.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: كم من الشعارات التي ملأت آذاننا لعقود طويلة تحولت فعلاً إلى واقع؟ وكم منها بقي مجرد كلمات جميلة استهلكت أعمار الناس وأحلامهم وماتبقى لهم من بقية عمرهم ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي الخطوة الأولى نحو التحرر من وهم الشعارات الموعودة الفارغة، وتطبيق كل الوعود التي أوصلتهم إلى ماهو حالهم عليهم اليوم والانتقال إلى مرحلة أكثر نضجاً وواقعية ووطنية صادقة محبة لتراب الوطن وليس للمصالح الشخصية والأنانية التي كانت تتهم فيها من سبقها من سلطات ودكتوتوريات ، وحيث تُقاس قيمة الأفكار بما تحققه من نتائج، لا بما تثيره من مشاعر عابرة ووعود مزيفة في الخيال ..!
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



