بلا حدود

أفضّل لنا الف مرة أن نشعل شمعةً بدل أن نلعن الظلام….

ماهر عصام المملوك

في حياة الشعوب كما في حياة الأفراد، تمرّ لحظات يبدو فيها الظلام كثيفًا إلى درجة يظنّ الإنسان معها أن لا فجر قادم، وأن الخراب أصبح قدرًا دائمًا لا يمكن تغييره. لكن التاريخ أثبت مرارًا أن الأمم التي نهضت من تحت الركام لم تكن تلك التي أمضت وقتها في تعداد المآسي، بل تلك التي قرّرت أن تشعل شمعة صغيرة في قلب العتمة، ثم تحوّلت تلك الشمعة مع الوقت إلى نورٍ أعاد بناء الأوطان والإنسان.

خيرًا ألف مرة أن نشعل شمعة، وأن نبدأ بداية جديدة مهما كانت متواضعة، من أن نستمر في لعن الظروف والمؤامرات والواقع المرير دون أن نخطو خطوة واحدة نحو التغيير. فالأمم لا تُبنى بالأمنيات، ولا تنهض بالشعارات وحدها، بل بالعمل الحقيقي، والإصرار، والقدرة على تحويل الألم إلى دافع للبناء. وربما يكون العمل في بدايته مليئًا بالأخطاء والعثرات، لكن الخطأ في أثناء المحاولة يبقى أشرف بكثير من الاستسلام الكامل لليأس والجمود.

لقد عانت شعوب كثيرة عبر التاريخ من الحروب والفقر والانهيارات الكبرى. اليابان، على سبيل المثال، خرجت من الحرب العالمية الثانية وهي شبه مدمّرة، وقد أحرقت الحرب البشر والحجر فيها، كما حدث في ألمانيا التي تحولت مدنها إلى أنقاض. ومع ذلك، لم تقف تلك الشعوب عند حدود البكاء على الأطلال أو تبادل الاتهامات، بل قررت أن تعتمد على ذاتها، وأن تبدأ من جديد، مستندة إلى العلم والعمل والانضباط والإرادة الجماعية. فكانت النتيجة أن تحولت تلك الدول خلال عقود قليلة إلى نماذج عالمية في الاقتصاد والصناعة والتقدم الحضاري.

هذه التجارب الإنسانية تؤكد حقيقة مهمة، وهي أن النهوض لا يبدأ من وفرة الإمكانيات، بل يبدأ من العقلية التي تؤمن بأن التغيير ممكن. فالفقر ليس نهاية الطريق، والحروب ليست حكمًا أبديًا بالموت الحضاري، بل قد تكون أحيانًا نقطة انطلاق نحو وعي جديد وإعادة بناء أكثر قوة وصلابة. المشكلة الحقيقية ليست في قسوة الظروف وحدها، بل في الاستسلام لها وتحويلها إلى مبرر دائم للعجز والتراجع.

إنّ أكثر ما يرهق المجتمعات المنهكة ليس فقط الخراب المادي، بل انتشار روح السلبية والتذمر وفقدان الثقة بالمستقبل. حين يصبح الحديث اليومي قائمًا على الشكوى فقط، وعلى تحميل الآخرين مسؤولية كل ما حدث، تتوقف عجلة المبادرة والإبداع. صحيح أن هناك قوى ومصالح ومؤامرات ساهمت في إيصال كثير من بلداننا إلى أوضاع صعبة، لكن البقاء أسرى لهذه الفكرة وحدها لن يغيّر الواقع، بل سيزيده تعقيدًا. فلا يمكن لأي شعب أن ينهض إذا ظلّ ينتظر أن تتغير الظروف من تلقاء نفسها.

علينا أن ننظر إلى الأمام، وأن ندرك أن بداية الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، وأن كل مشروع عظيم بدأ بفكرة صغيرة وإرادة صلبة. المجتمعات الناجحة لم تصل إلى ما هي عليه عبر الأحلام والخطب والانقسامات العقائدية والطائفية والإثنية، بل عبر العمل المشترك والإيمان بالمستقبل. أما الاستمرار في الغرق في الخلافات الضيقة، فهو استنزاف لما تبقى من طاقاتنا وفرصنا.

لقد آن الأوان لأن نترك خلفنا الكثير من التفاهات والصراعات التي مزّقت مجتمعاتنا وأهدرت أعمار أجيال كاملة. يجب أن تتحول طاقاتنا نحو التعليم، وبناء الاقتصاد، واحترام القانون، ودعم الشباب، وإعادة إحياء قيم العمل والإنتاج. فالأوطان لا تُبنى بالكراهية، بل تبنى بالعقول المنفتحة والإرادة الصادقة والقدرة على التعاون.

إن إشعال شمعة لا يعني تجاهل حجم الظلام، بل يعني رفض الاستسلام له. وقد تكون هذه الشمعة مشروعًا صغيرًا، أو مدرسة، أو فكرة مبتكرة، أو مبادرة إنسانية، أو كلمة أمل تعيد الثقة للناس. فكل خطوة إيجابية، مهما بدت بسيطة، تسهم في صناعة مستقبل مختلف. وما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم ليس المزيد من اليأس، بل المزيد من الأشخاص الذين يؤمنون بأن البناء ممكن، وأن الغد يمكن أن يكون أفضل إذا امتلكنا الشجاعة لنبدأ.

إن المستقبل لا تصنعه الشعوب التي تكتفي بلعن الواقع، بل الشعوب التي تقرر أن تواجهه بالعمل والصبر والإرادة. ولذلك، يبقى إشعال شمعة واحدة في زمن الظلام أكثر قيمة وأثرًا من آلاف الكلمات الغاضبة التي لا تغيّر شيئًا. لأن النور، مهما كان صغيرًا، يبقى قادرًا على هزيمة العتمة، ولأن الأمل حين يقترن بالعمل يصبح بداية حقيقية للخلاص والعمران والازدهار، لنا وللأجيال القادمة.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى