بلا حدود

لغة الطرشان…!

ماهر المملوك

في كل زمان ومكان، كانت السلطة مهما اختلف شكلها أو شعاراتها تنظر بعين الريبة والخوف إلى العقل الحرّ، وإلى الإنسان الذي يجرؤ على السؤال والمناقشة والمطالبة بحقه الطبيعي في حياة كريمة.

فالسؤال بالنسبة لكثير من السلطات ليس مجرد استفسار بريء، بل تهديد مباشر لمنظومة السيطرة التي تقوم أساسًا على الطاعة والتسليم والخضوع. ولهذا يصبح استعمال العقل، في بعض البيئات، فعلًا مقلقًا أكثر من أي تمرد آخر.

أكثر ما تكرهه أي سلطة هو النقاش الحقيقي القائم على المنطق. فهي لا تخشى الأصوات المرتفعة بقدر ما تخشى الفكرة الواضحة، ولا ترتبك من الشعارات بقدر ما ترتبك من الحجة العقلانية التي تكشف التناقضات وتعرّي المصالح المختبئة خلف الخطابات البراقة. لأن العقل حين يعمل بحرية، يبدأ الإنسان بمراجعة كل شيء حوله: القوانين، والقرارات، والوعود، وحتى المسلمات التي تربّى عليها لسنوات طويلة.

فالسلطة بطبيعتها تميل إلى احتكار الحقيقة. تريد من الناس أن يسمعوا فقط، لا أن يناقشوا. أن يصفقوا، لا أن يسألوا. وأن يقتنعوا بأن كل ما يجري هو لمصلحتهم، حتى وإن كانت حياتهم اليومية تثبت العكس تمامًا. وعندما يطالب الناس بحقوقهم المعيشية البسيطة من عمل كريم، وتعليم جيد، وعدالة، وحرية، وخدمات تحفظ كرامتهم يُنظر إلى هذه المطالب أحيانًا وكأنها مؤامرة أو خروج عن الصف، لا باعتبارها حقوقًا إنسانية طبيعية.

المشكلة لا تكمن فقط في الأنظمة السياسية، بل تتجاوز ذلك إلى كثير من المرجعيات العقائدية والفكرية والاجتماعية التي ترفض أيضًا الاحتكام إلى العقل والمنطق. فبعض الجهات تريد من الإنسان أن يكون تابعًا لا مفكرًا، ومستمعًا لا محاورًا. ولهذا يتم أحيانًا تصوير التفكير النقدي على أنه خطر، بينما يتم تمجيد الطاعة العمياء باعتبارها فضيلة. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: حين يصبح العقل تهمة، ويصبح السؤال نوعًا من العصيان.

الحلول بالنسبة لهذه الجهات لا تُبنى غالبًا على مصلحة الناس، بل على مصلحة استمرار النفوذ.

فالأولوية ليست لتحسين حياة البشر، بل للحفاظ على مواقع القرار والتحكم. لذلك يتم التعامل مع المجتمع ككتلة يجب إدارتها والسيطرة عليها، لا كأفراد يمتلكون كرامة وحقوقًا وأحلامًا. ومن هنا يمكن فهم لماذا تتكرر الأزمات نفسها في كثير من البلدان والمجتمعات، رغم اختلاف الشعارات والوجوه. لأن جوهر العقلية واحد: البقاء في مركز القوة مهما كان الثمن.

ومن المؤسف أن جزءًا من المشكلة لا يتعلق بالسلطة وحدها، بل بالبشر أنفسهم أيضًا. فالكثير من الناس، عبر التاريخ، اعتادوا أن يكونوا رعية أكثر من كونهم مواطنين وان يكونوا مستلبي التفكير والإرادة لإرادة التسليم بالأمر الواقع وأنها إرادة السماء ولا راد لها . يتبعون من يقودهم دون مساءلة، ويبررون الأخطاء بدل مواجهتها، ويتمسكون أحيانًا بمن يضرّ مصالحهم فقط لأنه يمثل لهم صورة القوة أو الحماية أو الانتماء. وهكذا تنشأ علاقة معقدة بين الحاكم والمحكوم، قائمة على الخوف والمصلحة والعادة، أكثر مما هي قائمة على الوعي والمسؤولية المشتركة.

الإنسان بطبيعته يبحث عن الأمان، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا البحث إلى تنازل كامل عن العقل والإرادة. فالتاريخ يعلمنا أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس وجود سلطة مستبدة فقط، بل وجود جمهور مستعد للتخلي عن حقه في التفكير. لأن السلطة مهما بلغت قوتها، لا تستطيع الاستمرار طويلًا دون وجود من يمنحها الشرعية بالصمت أو التبرير أو الخوف.

ومع ذلك، يبقى الأمل دائمًا في الإنسان القادر على التفكير الحر. فكل تقدم عرفته البشرية بدأ بسؤال، وكل تغيير حقيقي بدأ برفض الواقع المفروض باعتباره قدرًا لا يمكن تغييره. العقل ليس عدوًا للاستقرار كما تحاول بعض الجهات أن تصور، بل هو الطريق الوحيد لبناء استقرار حقيقي قائم على العدالة والكرامة والحقوق. أما المجتمعات التي تُقمع فيها الأسئلة، فهي قد تبدو هادئة من الخارج، لكنها في الداخل تعيش توترًا دائمًا وخوفًا مكتومًا وانعدامًا للثقة.

إن بناء مجتمع سليم لا يكون عبر إخضاع البشر، بل عبر احترام  كيانهم وإنسانيتهم وآدميتهم وعقولهم . ولا يكون بمنع النقاش، بل بفتح أبوابه.

فالحوار الحقيقي لا يهدد الدول والمجتمعات، بل يحميها من الانفجار والتآكل الداخلي. أما حين يصبح المنطق عدوًا، والعقل خطرًا، والحوار كفرا وزندقة فإن الجميع يخسر في النهاية: السلطة، والمجتمع، والإنسان نفسه ولاحول ولاقوة…

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى