تحليلات سياسيةسلايد

التفاهم الإيراني – الأميركي: 5 فخاخ على طريق التنفيذ

رغم أن توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة يُعدّ إنجازاً دبلوماسياً لافتاً، إلا أن التجربة التاريخية، ولا سيما مآلات الاتفاق النووي لعام 2015، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشكّ، أن الطريق الوعر لا يبدأ لحظة التوقيع، بل عند التنفيذ. اليوم، وبعد أسبوعٍ واحد فقط على إبرام المذکرة، بدأت تطفو على السطح خلافات عميقة حول تفسير بنودها وآليات تطبيقها، وهو ما يضع هذا الإنجاز الهشّ أمام تحدّيات مصيرية. وإذ يبدو أن كلّاً من الطرفَين -ولا سيما الولايات المتحدة- يسعى بثقله لفرض سرديّته وتفسيره كـ«رواية مرجعية»، محاوِلاً جرّ مسار المفاوضات نحو ما يخدم أجندته، يبدو أن الخلافات تدور حول خمسة محاور رئيسة، بات كلّ منها مرشّحاً لأن يكون فخّاً في طريق التوصّل إلى الاتفاق النهائي.

وتتمثّل أولى نقاط الخلاف، وربّما أكثرها حساسية، بآلية إدارة مضيق هرمز، بعدما تَحوّل هذا الممرّ الاستراتيجي، الذي يمثّل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي ومركز ثقل الحرب، إلى ساحة صراع على التفسيرات. إذ تحرص إيران، متّكئةً على مبدأ سيادتها على المضيق، على تأكيد عزمها فرض «رسوم خدمات بحرية» على السفن العابرة بعد انقضاء مدة سماحٍ تصل إلى 60 يوماً، على أن تُخصَّص الإيرادات الناتجة من تلك الرسوم لتمويل التنمية الاقتصادية. كذلك، تؤكد طهران، التي تعدّ هذا الملفّ مرتبطاً بصلب السيادة الوطنية الإيرانية ومكانة البلاد الاستراتيجية في المنطقة، أنها لن تتنازل عن سيطرتها على «هرمز»، وأن عقارب الساعة في المضيق لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب؛ وهي تسعى، بالتنسيق مع مسقط، إلى ترسيخ «نظام عبور» جديد هناك. وتَجلّى هذا التوجّه، بوضوح، في زيارة وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى سلطنة عُمان، حيث أعلن الجانبان تشكيل «لجنة مشتركة» لبلورة ترتيبات جديدة في «هرمز». في المقابل، تتمسّك الولايات المتحدة بمطلب العبور المجاني في المضيق على المدى الطويل، مشدّدةً على وجوب العودة إلى وضع «ما قبل الحرب».

أمّا نقطة الخلاف الثانية، وربّما الأكثر تعقيداً، فتتّصل بالملف النووي الإيراني، وتحديداً عمليات التفتيش التي تجريها «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» للمنشآت النووية. فمنذ قصف هذه الأخيرة في حرب حزيران 2025، منعت إيران مفتّشي الوكالة من دخول مواقعها؛ ومع أن مذكرة التفاهم الأخيرة فتحت باب التفاوض بشأن تخصيب اليورانيوم ومخزونات اليورانيوم المخصب، إلّا أن المسؤولين الإيرانيين حسموا الجدل بتأكيد عدم وجود أيّ خطط للسماح للمفتشين بدخول المنشآت التي تضرّرت خلال الحرب، معتبرين أن هذه القضية لا يمكن طرحها إلّا في سياق الاتفاق النهائي، وبعد رفع كامل العقوبات. لا بل ذهب المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إلى وصف الادعاءات الأميركية بشأن التزامات طهران النووية بأنها «بالغة الضرر». أمّا الولايات المتحدة، فتصرّ على الادّعاء عبر رئيسها، دونالد ترامب، أن إيران وافقت على عودة المفتشين، معربةً عن ثقتها «بنسبة 100%» بأن عمليات التفتيش ستتمّ، ملوّحةً بانهيار المفاوضات فوراً إذا ما تعذّر ذلك. ومن جهته، ورغم إقراره بوجود «حرب كلامية» حول هذا الملفّ، أكد مدير عام «الوكالة الدولية»، رافائيل غروسي، أن عمليات التفتيش «ستحدث لا محالة»؛ لكن العقدة تكمن في التوقيت: فبينما ترى طهران تجديد هذه العمليات نتيجة للاتفاق النهائي، تصرّ واشنطن على اعتبارها مقدّمة وشرطاً مسبقاً للتسوية الكاملة.

وفي الانتقال إلى الخلاف الثالث، الذي يمسّ بدوره مسألة «سيادية» بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية، فهو يدور حول توقيت الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة وآلياته وأوجه إنفاق هذه الأموال، التي تجد إيران نفسها في أمسّ الحاجة إليها -بهدف إنعاش اقتصادها المنهك-، وتضغط بالتالي في اتجاه الإفراج الفوري عن جزء منها. وفي هذا الإطار، أفادت مصادر إيرانية بالإفراج عن 12 مليار دولار، على دفعتَين (6 مليارات لكلّ منهما)، بوساطة قطرية، مشدّدةً في الوقت عينه على أن طهران هي صاحبة القرار النهائي في كيفية توظيف الأموال المفرَج عنها، وأنها لن تخضع لأيّ قيود مرتبطة بهذه الموارد. في المقابل، تصرّ واشنطن على أن يكون الإفراج تدريجياً ومشفوعاً بشروط؛ إذ أعلن ترامب أن «إيران لن تتلقّى سنتاً واحداً ما لم تنفّذ التزاماتها»، وأن الأموال المفرَج عنها ستُوضع في «حساب ائتماني» تحت إشراف الولايات المتحدة، على أن تقتصر أوجه صرفها على شراء منتجات زراعية وطبية أميركية حصراً. على أن ذلك الطرح قوبل بردّ فعل إيراني غاضب، تمثّل بوصفت وسائل إعلام في طهران التصريحات الأميركية بأنها «نقضٌ صارخٌ» لبنود مذكرة التفاهم، وقول رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، إن الولايات المتحدة لا تصدّر سوى فول الصويا والأكاذيب.

أمّا محور الخلاف الرابع، فيتّصل بالبند الأول من مذكرة التفاهم، الذي ينصّ على «إنهاء فوري ودائم للعمليات العسكرية على الجبهات كافة، بما فيها لبنان». وفي هذا الإطار، تشدّد إيران على أن الاتفاق الأوّلي لإنهاء الحرب مشروطٌ بانسحاب إسرائيل من لبنان، مواصِلةً عملياتها الميدانية في الجنوب، ومعلِنةً صراحة رفضها الانسحاب منه. وفي حين يضع استمرار هذه الفجوة الاتفاق في مهبّ الريح، أدّت تصريحات ترامب النارية والتهديدية ضدّ إيران إلى تفاقم مناخ انعدام الثقة، الذي جلّته عودة المسؤولين الإيرانيين إلى تأكيد ارتيابهم المزمن تجاه الولايات المتحدة، واعتبارهم أن تلك التصريحات تُناقض البند الأول من المذكرة، الذي يلزم الجانبَين الامتناع حتى عن التهديد باستخدام القوة ضدّ الآخر.

وبالنسبة إلى الخلاف الخامس والأخير، فيتمحور حول طرح الملفّ الصاروخي الإيراني على طاولة المفاوضات؛ إذ رغم أن هذا الملف لم يُطرح مباشرة من الجانب الأميركي، إلا أن رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، أثار لغطاً بتصريحات زعم فيها أن المفاوضات المقبلة ستشمل برنامج إيران للصواريخ البالستية. وقوبل هذا الادّعاء برد فعلٍ إيراني حازم وفوري، حيث وصفت وسائل إعلام رسمية إيرانية تصريحات شريف بـ«الخاطئة تماماً» و«المشبوهة»، مؤكدة أن الملف الصاروخي لم يكن يوماً، ولن يكون، مدرجاً على جدول أعمال المفاوضات. ومع أن التوتر الدبلوماسي بدا أنه انحسر جزئياً بإعلان باكستان دعمها لحق إيران في امتلاك صواريخ بالستية خلال الزيارة الأخيرة للرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى إسلام آباد، إلا أنه كشف عن حقيقة أن أيّ محاولة لإقحام قضايا جديدة أو غير ذات صلة بالمفاوضات، من شأنها أن تتحوّل سريعاً إلى أزمة مستجدّة، وتنسف ما تبقى من ثقة هشّة بين الطرفين.

 

صحيفة الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى