بلا حدود

عندما تنتفض الشعوب في وجه جلاديها…!

ماهر المملوك

على امتداد التاريخ الإنساني، لم يكن الظلم يوماً قدراً أبدياً، ولم تكن الديكتاتوريات، مهما بلغت قوتها وسطوتها، بمنأى عن السقوط. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب قد تصبر طويلاً، وربما تتحمل من القهر والفقر والحرمان ما يفوق قدرة الإنسان على الاحتمال، لكنها عندما تصل إلى اللحظة التي تشعر فيها أن كرامتها قد سُلبت، وأن مستقبل أبنائها قد صودر، وأن ثروات وطنها أصبحت حكراً على فئة ضيقة من الحاكم وأقاربه وحاشيته وأزلامه، فإنها تنتفض مطالبة بحريتها وكرامتها وحقها في الحياة.

ولعل القاسم المشترك بين معظم الثورات الشعبية عبر التاريخ هو أنها لم تبدأ بسبب الجوع وحده، بل بسبب الإحساس العميق بالظلم وانعدام العدالة. فالفقر قد يدفع الإنسان إلى الصبر، أما الإذلال فيدفعه إلى المقاومة. وعندما يجتمع الفقر مع القهر، والفساد مع الاستبداد، يصبح الانفجار الشعبي مسألة وقت لا أكثر.

لقد شهد العالم نماذج كثيرة لهذا المشهد. فقد جاءت الثورة الفرنسية بعد سنوات طويلة من التفاوت الطبقي الهائل، حيث كانت الطبقة الحاكمة تعيش في بذخٍ وترف، بينما كانت غالبية الشعب ترزح تحت وطأة الضرائب والفقر. ولم تكن الثورة البلشفية في روسيا بعيدة عن هذا السياق، إذ جاءت نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية جعلت الجماهير ترى أن استمرار النظام القائم لم يعد ممكناً.

وفي العصر الحديث، شهدت دول عديدة موجات احتجاج وثورات اختلفت في دوافعها ونتائجها، لكنها اشتركت في رفض الاستبداد والفساد والمطالبة بالإصلاح أو التغيير. كما شهدت إيران عام 1979 ثورة أنهت نظاماً سياسياً وأدخلت البلاد في مرحلة جديدة مختلفة، بكل ما حملته من تحولات وتحديات. ثم جاءت أحداث ما عُرف بالربيع العربي، حيث خرج ملايين المواطنين في عدد من الدول العربية مطالبين بالحرية والعدالة والكرامة ومحاربة الفساد، وإن كانت نتائج تلك الانتفاضات قد تباينت بصورة كبيرة من بلد إلى آخر.

وفي السنوات الأخيرة، أصبحت سوريا مثالاً آخر على بلد عاش سنوات طويلة من الصراع بعد اندلاع الثورة والاحتجاجات الشعبية، في واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في تاريخ المنطقة الحديث. ومهما اختلفت القراءات السياسية، فإن الدرس الذي يتكرر هو أن تجاهل مطالب الشعوب، والاعتماد على القوة وحدها لمعالجة الأزمات، لا يؤدي غالباً إلى استقرار دائم، بل قد يفاقم الانقسامات ويطيل أمد المعاناة.

إن الأنظمة التي تبني شرعيتها على الخوف وحده قد تبدو قوية لسنوات، لكنها في الحقيقة تكون هشة من الداخل. فالقوة العسكرية والأجهزة الأمنية تستطيع تأخير لحظة الانفجار، لكنها لا تستطيع إزالة أسباب الغضب الشعبي. وعندما يشعر المواطن بأن صوته لا قيمة له، وأن القانون لا يحميه، وأن ثروات بلاده تُنهب بينما يزداد فقراً، فإن الثقة بين الشعب والدولة تبدأ بالتآكل حتى تصل إلى مرحلة يصعب معها ترميمها.

 

وفي المقابل، فإن الدول التي تحترم مواطنيها، وتوفر لهم العدالة وتكافؤ الفرص، وتسمح بالمشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة، تكون أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الأزمات. فالشرعية الحقيقية لا تُبنى بالخوف، بل تُبنى بالثقة، ولا تُفرض بالقوة، بل تُكتسب بالعدالة.

وليس معنى ذلك أن كل الثورات تحقق أهدافها أو تقود إلى مستقبل أفضل. فالتاريخ يخبرنا أيضاً أن بعض الثورات انتهت إلى الفوضى، أو إلى أنظمة جديدة لا تقل استبداداً عن سابقاتها. ولذلك فإن نجاح أي انتفاضة شعبية لا يقاس فقط بإسقاط نظام، وإنما بقدرتها على بناء دولة المؤسسات، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.

إن الشعوب لا تثور حباً بالفوضى، ولا رغبةً في سفك الدماء، وإنما لأنها تصل إلى مرحلة تشعر فيها أن الصمت أصبح أخطر من المواجهة، وأن الاستمرار في الواقع القائم يعني ضياع الأجيال القادمة. وعندما تتجاوز السلطة حدودها، وتتحول من خدمة الوطن إلى امتلاك الوطن، ومن حماية المواطن إلى إخضاعه، فإنها تكون قد بدأت بالفعل في كتابة الفصل الأخير من عمرها السياسي.

ويبقى الدرس الأكبر الذي يقدمه التاريخ هو أن إرادة الشعوب، مهما طال الزمن، لا يمكن تجاهلها إلى الأبد. فقد تتأخر لحظة التغيير سنوات، وربما عقوداً، لكنها تأتي عندما تتراكم أسبابها، ويصبح الإصلاح مستحيلاً في ظل نظام يرفض الاستماع إلى شعبه.

إن الحكمة السياسية الحقيقية لا تكمن في قدرة الحاكم على إسكات الأصوات، بل في قدرته على سماعها قبل أن تتحول إلى صرخات، ولا في امتلاك أدوات القوة، بل في امتلاك ثقة المواطنين. فالشعوب قد تصبر كثيراً، لكنها لا تنسى، وقد تتحمل طويلاً، لكنها عندما تنتفض دفاعاً عن كرامتها، فإنها تكتب صفحة جديدة من تاريخ الأمم، لتؤكد أن الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية ستبقى قيماً لا يمكن لأي طاغية، مهما امتلك من قوة، أن يلغيها إلى الأبد.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى