ليس في التاريخ نظام سياسي استطاع أن يهزم الزمن إلى الأبد. فقد تعاقبت إمبراطوريات وملكيات وأنظمة شمولية ظنت أن سلطانها خالد، وأن قبضتها الأمنية والعسكرية والإعلامية كفيلة بضمان بقائها إلى ما لا نهاية، لكن السنن التاريخية أثبتت أن كل نظام يغلق أبواب الإصلاح، ويحتكر السلطة والثروة، ويعزل نفسه عن نبض المجتمع، يبدأ في صناعة أسباب تراجعه من الداخل، حتى وإن بدا في الظاهر أكثر قوة وتماسكًا.
فالأنظمة الشمولية لا تقوم فقط على احتكار السلطة، وإنما على احتكار الدولة نفسها. إذ تتحول المؤسسات إلى أدوات تنفيذ لإرادة الحاكم، ويتراجع دور القانون أمام الولاء الشخصي، وتصبح أجهزة الدولة وسيلة لحماية السلطة بدل أن تكون وسيلة لحفظ الوطن ولخدمة المواطن. ومع مرور الوقت، يختلط مفهوم الوطن بمفهوم النظام، ويُنظر إلى أي نقد أو معارضة على أنها تهديد للدولة، بينما الحقيقة أن الدولة تبقى، أما الأنظمة فمرحلة من مراحل التاريخ.
وفي هذا النموذج من الحكم، تُدار مقدرات البلاد وكأنها ملكية خاصة. فتُحتكر القرارات السياسية، وتُوجَّه الموارد الاقتصادية، وتُستثمر الثروات الطبيعية والبشرية لخدمة دائرة ضيقة من أصحاب النفوذ، بينما تتراجع فرص العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة. ويجد المواطن نفسه محرومًا من حقه في المشاركة وصنع القرار، ليصبح تابعًا بدل أن يكون شريكًا في بناء وطنه.
وهنا يبرز سؤال جوهري: بأي حق يستطيع فرد، أو عائلة، أو نخبة محدودة، أن تعتبر نفسها صاحبة الحق المطلق في إدارة مقدرات وطن بأكمله؟ وكيف يمكن أن تتحول ثروات شعب، هي ملك للأجيال المتعاقبة، إلى امتيازات خاصة لفئة بعينها؟ إن مفهوم الدولة الحديثة يقوم على أن السلطة أمانة مؤقتة، وليست ملكية دائمة، وأن الحاكم موظف عام مهما علت مكانته، وليس مالكًا للأرض ومن عليها.
لقد أثبت الفكر السياسي الحديث أن شرعية الحكم لم تعد تُقاس بامتلاك القوة العسكرية أو الأمنية، وإنما بقدرة الدولة على تحقيق العدالة، واحترام القانون، وصيانة كرامة الإنسان، وضمان المشاركة السياسية، وتوفير الفرص الاقتصادية. وكلما ابتعد النظام عن هذه الأسس، اتسعت الفجوة بينه وبين المجتمع، حتى وإن نجح في تأجيل لحظة الانفجار لسنوات طويلة.
وتؤكد التجارب التاريخية هذه الحقيقة بوضوح. فالثورة الفرنسية عام 1789 لم تكن مجرد انتفاضة ضد الملكية، بل كانت ثورة على احتكار السلطة والامتيازات، وأرست مبادئ المواطنة وسيادة القانون. كما جاءت الثورة البلشفية عام 1917 لتُنهي الإمبراطورية الروسية بعد عقود من الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، رغم ما كانت تمتلكه من قوة ونفوذ.
وفي العالم العربي، شهدت مصر نهاية حكم أسرة محمد علي مع ثورة عام 1952، بعد تغيرات اجتماعية وسياسية عميقة. وفي إيران، أدى تراكم الاحتقان الشعبي إلى سقوط نظام الشاه عام 1979، رغم ما كان يحظى به من دعم داخلي وخارجي. ثم جاءت موجة الربيع العربي عام 2011 لتكشف حجم التراكمات التي صنعتها عقود من غياب المشاركة السياسية، والفساد، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وانسداد آفاق الإصلاح، فسقطت أنظمة، واهتزت أخرى، بينما دخلت بعض الدول في مراحل انتقالية معقدة، كان ثمنها باهظًا على المجتمعات والدول.
وتبقى التجربة السورية من أكثر التجارب إيلامًا وتعقيدًا في التاريخ العربي الحديث. فقد بدأت الأحداث بمطالب إصلاحية وسياسية، ثم تحولت إلى صراع متعدد الأطراف، ومن ثم ادت إلى قيام ثورة تطالب بالعدالة والحرية ثم تداخلت فيها العوامل الداخلية والإقليمية والدولية، وأدى إلى خسائر بشرية ومادية هائلة، وإلى تغييرات جذرية في بنية الدولة ومراكز النفوذ. ومهما اختلفت القراءات السياسية لهذه التجربة، فإنها تؤكد أن الأزمات التي لا تجد حلولًا سياسية في وقتها قد تتفاقم لتصبح ثورات وطنية وإقليمية يصعب احتواؤها.
ومن اللافت أن التاريخ يكاد يعيد المشهد ذاته في كل مرة. فكم من حاكم اعتقد أن سلطته أبدية، فإذا به يغادر الحكم إلى المنفى، أو يمثل أمام القضاء، أو يعيش بقية حياته مطاردًا أو معزولًا. وكم من ثروات جُمعت من المال العام أصبحت موضوعًا لتحقيقات وملاحقات قضائية داخلية ودولية، في وقت أصبح فيه العالم أكثر قدرة على تتبع الأموال واستردادها، وأكثر تشددًا تجاه قضايا الفساد وإساءة استخدام السلطة.
ومع ذلك، فإن سقوط الأنظمة لا يعني بالضرورة نجاح الدول. فالتاريخ يعلمنا أن إسقاط السلطة أسهل بكثير من بناء الدولة. فالنجاح الحقيقي يبدأ بعد التغيير، من خلال بناء مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وإدارة كفوءة، ودستور يحمي الجميع، ونظام يضمن التداول السلمي للسلطة، ويؤسس لعلاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع.
لقد دخل العالم اليوم مرحلة جديدة، أصبحت فيها التكنولوجيا ووسائل الاتصال والإعلام الرقمي أدوات تجعل من الصعب احتكار الحقيقة أو إخفاء التجاوزات لفترات طويلة. كما أصبح المواطن أكثر وعيًا بحقوقه وأكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات ومقارنة أوضاعه بغيره، وهو ما يجعل شرعية أي نظام مرتبطة بقدرته على الإصلاح والتكيف والاستجابة لتطلعات شعبه، لا بقدرته على فرض الخوف.
ويبقى الدرس الذي يقدمه التاريخ للأمم والحكام على السواء واضحًا: إن الدول لا تستقر بالقوة وحدها، ولا تُبنى بالاستئثار، ولا تستمر بتحويل الوطن إلى ملكية خاصة. فالسلطة التي تقوم على العدالة وسيادة القانون واحترام الإنسان هي الأقدر على البقاء، أما السلطة التي تختزل الدولة في شخص أو عائلة أو فئة، فإنها قد تؤخر لحظة التغيير، لكنها لا تستطيع أن تلغي قوانين التاريخ. فالأوطان أكبر من الحكام، والشعوب، مهما طال صبرها، تبقى صاحبة الكلمة الأخيرة في رسم مستقبلها وصناعة تاريخها .
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



