أثار المعرض التشكيلي للفنان والمخرج محمد عبد العزيز الذي أقيم في صالة زوايا في دمشق آراء مختلفة تتعلق بطبيعة المعرض والأدوات المستخدمة في إنجازه والتي تخلط بين الرسم والكولاج والفيلوغرافيا.

وقف الزوار مطولا عند تفاصيل اللوحات، يبحثون عن معنى الأوراق المحشورة فيها، ومعنى التعاويذ الموزعة بينها، ومعنى الخيطان التي شبكت على بعضها، أي أن الحيرة تختلط مع الإعجاب، ثم تنأى عن الفهم، ويبقى التخمين هو أساس المعنى فكل يحلل على طريقته، أو يخرج الزائر خالي الوفاض.
عمليا لم تصل رسائل المخرج السوري محمد عبد العزيز إلى الجمهور السوري والعربي، في مجمل أعماله السينمائية والتلفزيونية والتشكيلية، لم تصل كما يريدها هو، فقد ضاعوا عن المعنى، أو ربما وضعتهم وسائل التواصل وإعلام التفاهة في متاهة، فركزوا على التفاصيل الصغيرة ولم يفهموه، فهو فنان يستخدم الرمزية كثيرا، وينحو في اتجاهات أخرى ربما تحتاج إلى دراسة خاصة.
عند تصنيف رسائله بعين البصيرة، نكتشف فيها أن دمشق مدينة تمثل وعاء الأحداث التي يتوقف عندها، هي فضاء مفتوح، يمكن لليمين واليسار أن يعيشا فيها معاً، لكن الحرية يجب أن تنتصر، وعندما سُرق انفتاح المدينة من الديكتاتورية، برزت الرسالة الثانية عنده من أن العين يمكن أن تقاوم المخرز، ولابد للعين أن تنتصر. يمكن للماضي أن يعيش مع الحاضر والمستقبل ، لكن الصراع يتعلق بمن سينتج ما يليق بها. كذلك يمكن للتكنولوجيا أن تعيش مع الشعوذة، لكن العقل هو الذي سينتصر!
وربما تكمن المسألة في خروجه عن المألوف، في فكرته ومعالجته وأسلوبه وهنا لابد من أن يقوم النقاد بالتأويل. وسبب ذلك ربما يعود إلى الرقابة، أو الخوف ، أو ظروف الانتاج في السينما والتلفزيون .
وبغض النظر عن ذلك، فهو يقدم منجزه الفني وينجح في إثارة التساؤلات، وتعود هذه التساؤلات فتضيع في دوامة إعلام فقد توازنه .
في خطوته الأخيرة لجأ إلى الفن التشكيلي ظنا منه أنه سيسعى للمزيد من شرح رؤيته وتعميقها وتقديم أدوات وعناصر فنية مساعدة، لكنه مالبث أن وقع في المطبات ذاتها التي وقع فيها سينمائيا وتلفزيونيا، فلم تصل الرسائل التي يريدها.

وفي معرضه التشكيلي العتيد الذي اشتغل عليه ببصيرة وحساسية عاليتين، يصعب الوصول إلى مايريده، وهذا يعني أن معاني لوحاته ستضيع كما حصل سابقا، ولن تتمكن من الوصول إلى أصحابها إذا قرئت بالطريقة نفسها.
خلال الحرب ، وقبل أن يسقط النظام، وفي ضوء غياب إعلام حقيقي، اهتمت وسائل التواصل والصحافة بقبلة مهيار خضور لسلاف فواخرجي، في مسلسل شارع شيكاغو، أكثر من اهتمامها بالمحتوى الذي قدمه مخرجه وكاتبه محمد عبد العزيز عن مدينة دمشق في أواسط القرن الماضي .
وفيما بعد بنى المخرج الراحل عبد اللطيف عبد الحميد ضجة شبيهة في فيلمه (الافطار الأخير) أثيرت حول قبلة عبد المنعم عمايري لكندة حنا، وكأن علينا أن نقرأ الأفلام من القبلات ومدى تجاوزها للرقابة والرأي العام بدلا عن قراءة الأفلام بما هي معنى ورؤية سينمائية خاصة.
هكذا يحصل في الوسط الفني والوسط النقدي عندما تتحكم فيه وسائل التواصل وإعلام التفاهة، حتى أن كثيرا من المنتجات الفنية تكسرت معانيها أمام الحَوَلْ الذي تقع فيه عيون المروجين في إعلام العصر.
كان ينبغي للضجة أن تثار حول ما فعله محمد عبد العزيز بدمشق من خلال مسلسل شارع شيكاغو لا في قبلة مهيار لسلاف التي استخدمها للإيقاع بالنقد بعد أكثر من مائة عام من إنتاج أفلام عربية تضج بالقبل والجسد والإغراء والفتنة.
اثار المخرج السوري محمد عبد العزيز انتباهي عندما شاهدت فيلمه السينمائي الرابعة بتوقيت الفردوس، الذي يكسر فيه قواعد الخوف في سورية خلال فترة حرجة من تاريخها (2015)، وكان الخوف وقتها يعم فضاء المدن السورية من الحاضر والمستقبل معا، وكأن الأمل مات ودفنته الطغمة الحاكمة في حربها على الشجر والحجر والإنسان بعد أن هزت عروشها ثورة 2011. ومع ذلك تجرأ وقدم أطروحته السينمائية التي لفتت الأنظار إليه.
وفي مسلسل شارع شيكاغو يتحرش محمد عبد العزيز بكل الذين كتبوا عن الشام في الدراما التلفزيونية من زقاق المايلة إلى آخر باب مخلوع من أبواب الحارة، فيبنى فكرته على التمرد على الزمان والمكان والإنسان في وقت واحد، فغدا شارع شيكاغو نموذجاُ جديداً غير موفق عن تاريخ المدينة ، نجح درامياً وبصرياُ وفشل في معطياته عن الانسان السوري وأمكنته ووقع في تلفيق وقائع المكان وشخصياته وصراع هذه الشخصيات مع محيطها.
كذلك قرأت له سيناريو مسلسل ليالي روكسي وشاهدته بعد العرض، فوجدته استثماراً لنجاح شارع شيكاغو، لكنه يبني على طريقة التمرد ذاتها، يقترب أكثر من حال المدينة، وظروف بيئتها، ثم ينأى عنها كي لا يلقى القبض عليه بالجرم المشهود.
المخرج محمد عبد العزيز في معرضه الأخير في صالة زوايا فاجأنا بتقديم ماعنده من لوحات بطريقة جديدة بعيدة عن فن السينما والتلفزيون، ومع ذلك حشر الكاميرا ورموزه السينمائية والدرامية في بعض اللوحات.
دمشق خرجت في لوحاته مدينة للأسرار، كل لوحة من لوحاته فيها سر، وعلينا أن ندقق فيها، لنعرف ماذا يريد، في تكوين اللوحة، وفي تفاصيلها، وفي ألوانها، وفي المدخلات عليها، وفي معناها.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



