ينتاب من يزور تلك المدينة شعور بأنه يعرف أهلها، ويتضح ذلك حين يرى أصحاب الجباه السمر بوجوههم التي تهلل بالبشر وترحب بالضيف القادم، وقد لا يتردد من تلتقي به منهم في دعوتك إلى منزله، ليقدم لك ما تيسر له، وحدث أن زرت مدينة الرقة في العام 2010م للمشاركة في دورة مسرحية أقيمت هناك، ويومها لم نأكل أنا والمجموعة القادمة إلى الرقة في مكان سكننا سوى مرة واحدة قبل أن نتعرف إلى العديد من الأصدقاء هناك.
من يومها عشقت المدينة وأهلها وماء الفرات الذي ينساب بكل عذوبة ورقة وكأنه يلوح بالسلام لساكنيها، وقد خلت أن حورية تدعى”ناديا” تخرج من مياهه.
تلقب الرقة بدرة الفرات واسمها القديم “كالينيكوس” كما أطلق عليها اسم “توتول” وهي مملكة وموقع أثري يعود للألف الثالث قبل الميلاد وتقع على الحافة الشرقية للمدينة، وهناك دار نشر في دمشق تحمل تلك التسمية، وفيها الكثير من المعالم التي يذكرها الناس دائماً مثل باب بغداد والجامع العتيق وقصر البنات، وينتمي معظم سكانها إلى قبائل وعشائر عربية أصيلة، وقد تعرضت المدينة خلال سنوات الحرب إلى دمار وخراب كبير طال الكثير من بنيتها التحتية كما عاني سكانها الويلات، وقد تتالت عليهم المصائب وتكالبت على المدينة الكثير من الجهات التي أرادت أن تهيمن عليها.
شاءت الأقدار أن أزورها هذا العام للمشاركة في نشاط ثقافي، فوجدت أن الوجوه لم تتغير، وعلى الرغم من المحن التي مرت ما زال أهلها مثال للطيب والجود والعطاء، وهم رجال بما تعني تلك الكلمة، وقد أنجبت المدينة الكثير من الأدباء الذين كتبوا وبجدارة القصة والشعر والرواية والمسرح كما أبدعوا في الفنون كافة، وقدموا بمحبة تراثهم الذي يعتز ويفاخر به أبناء المنطقة، والحقيقة أن طاقة المحبة السحرية التي يمتلكونها تشعر الوافدين إليها بأنهم من أصحاب المكان، ولابد حين يغادرونها سيشعرون بشيء خفي ينز في دواخلهم، وقد كتبت عنها بعد زيارتي الأخيرة قائلاً:
قبل أن تغادر مدينة الرقة عليك أن تتفقد قلبك وتسأل هل مازال بين الضلوع ؟ وعليك أن تتلمس روحك وأنت تتذكر أحضان الأصدقاء والأحبة العابقة برائحة العطر والمحبة.
عليك أن تفعل قبل أن تشرق بالعبرات وتتشردق بالدمعات وأنت تترك مدينة لا تغرق بوشل النعاس، بل يصابح مكامن فتنتها الدأب والنشاط ، لذلك تسافر ومعك عبق السوالف، الأصالة ومجامر التاريخ والأغنيات الصادحة إلى جانب النهر، ويشتعل الحنين من جديد والذي تتمنى معه لو أنك بقيت في ظلال المكان، وعلى ما أذكر أنني قد كتبت عن المدينة وأهلها أكثر من قصة منها “المرأة العالية” و”امرأة ونهر” و”جنوب شمال” وفي الأخيرة رددت وأنا أغادر شارع المنصور ما غناه ياس خضر ذات وقت: ” مسافرين وعيني منطورة لدربكم”.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



