
يظنّ كثيرون أنّ الزواج عن حب هو المعادلة السحرية للسعادة الأبدية. غير أنّ الواقع يكشف صورةً أكثر تعقيدًا ممّا تُصوّره الأفلام والروايات. تدخل كثير من النساء في الزواج عن حب بتوقّعات عالية جدًّا. فتجد نفسها بعد سنوات أمام خيبة أمل لم تتوقّعها. والسبب ليس غياب الحب بالضرورة، بل غياب الوعي بأنّ الحب وحده لا يكفي. وكما تُشير الدراسات إلى أهمية معايير اختيار الزوج المناسب وعدم الاكتفاء بالانجذاب العاطفي، فإنّ السؤال الحقيقي ليس: “هل أُحبّه؟” بل: “هل نحن متوافقان فعلًا لبناء حياة مشتركة؟”
في هذا المقال، نستعرض ما تقوله العلوم النفسية عن الزواج عن حب، والفرق بين الحب العاطفي والحب الناضج، وأبرز العوامل التي تُحدّد نجاح العلاقة أو فشلها، والخطوات العملية لتحويل الحب إلى سعادة دائمة.
- ماذا تقول العلوم النفسية عن الزواج عن حب؟
يُعدّ الزواج عن حب موضوعًا درسه علماء النفس على نطاق واسع. وتوصّلوا إلى نتائج تُفاجئ كثيرين.
تُثبت دراسة نُشرت في مجلة Journal of Marriage and Family أنّ الزيجات المبنية على الحب الرومانسي وحده تُعاني معدّلات طلاق أعلى مقارنةً بتلك المبنية على التوافق القيمي والاحترام المتبادل. ويُفسّر علماء النفس ذلك بما يُسمّى “وهم الحب الرومانسي”، وهو الاعتقاد بأنّ الحب يحلّ كلّ المشكلات ويتجاوز كلّ الفوارق. يُشير الباحثون إلى أنّ الدماغ في مرحلة الوقوع في الحب يُفرز الدوبامين والأوكسيتوسين والسيروتونين بكميّات كبيرة. وهذه الهرمونات تُشوّش الحكم العقلي وتجعل الشريك يبدو مثاليًا. إلا أنّ هذه الحال الكيميائية لا تدوم. بل تتراجع تدريجيًا بعد 18 إلى 36 شهرًا من بدء العلاقة وفق ما يُثبته علم الأعصاب. لذا، فإنّ من يبني الزواج عن حب على هذه المرحلة وحدها يجد نفسه لاحقًا أمام شخص لم يعرفه جيّدًا.
- الفرق بين الحب الرومانسي والحب الناضج في الزواج
لا يتساوى كلّ حبّ في طبيعته وقدرته على الاستمرار. والفهم الدقيق للفرق بينهما يُغيّر كثيرًا من قناعات المرأة قبل الزواج.
يُعرَّف الحب الرومانسي بأنّه ذلك الشعور المكثّف بالانجذاب والشغف في بداية العلاقة. أمّا الحب الناضج فهو الذي يتجاوز الشغف ليشمل الاحترام، والقبول، والالتزام بالنموّ المشترك. وكما يُوصي الخبراء بـمناقشة مواضيع جوهرية بين المخطوبين قبل الارتباط، فإنّ هذه النقاشات هي بالضبط ما يُحوّل الحب الرومانسي إلى أساس متين.
يُطوّر عالم النفس الشهير روبرت ستيرنبرغ نظريةً ثلاثية للحب تتضمّن: الحميمية، والشغف، والالتزام. ويرى أنّ الزواج الناجح هو الذي يُحقّق التوازن بين هذه العناصر الثلاثة. أمّا الزواج الذي يقوم على الشغف وحده فيُسمّيه “الحب الأجوف”، وهو الأكثر عرضةً للانهيار حين يتلاشى الشغف.
- العوامل التي تُحدّد نجاح الزواج عن حب أو فشله
الحبّ شرط ضروري. غير أنّه غير كافٍ وحده. وثمّة عوامل أثبتت الأبحاث أنّها تُحدّد مصير الزواج بشكل أوضح من الحبّ ذاته.
يأتي في مقدّمتها التوافق القيمي. فحين يختلف الزوجان في قيمهما الجوهرية كالدين، والتربية، والمال، وأسلوب الحياة، يتحوّل كلّ فارق بسيط إلى ميدان معركة. وهذا ما يُؤكّده عالم النفس الزوجي جون غوتمان حين يقول إنّ أسلوب حلّ الخلافات هو أقوى مؤشّر لنجاح الزواج أو فشله. يُضاف إلى ذلك الذكاء العاطفي لدى كلا الشريكين، إذ يرتبط ارتباطًا مباشرًا بقدرتهما على التعامل مع الأزمات من دون تدمير الألفة بينهما. وتأتي كذلك القدرة على التكيّف مع تغيّر الشريك عبر الزمن، وهو ما يُغفله كثيرون حين يتوقّعون أن يبقى الشريك كما عرفوه في أوّل اللقاء.
- لماذا يفشل كثير من الزيجات المبنية على الزواج عن حب؟
الفشل لا يعني أنّ الحبّ كان كذبًا. بل يعني في أغلب الأحيان أنّ الحبّ لم يكن مرفوقًا بالأدوات اللازمة للبناء.
يبرز في هذا السياق خطر التوقّعات غير الواقعية. فالمرأة التي بنت صورةً مثاليةً عن شريكها أثناء مرحلة الوقوع في الحب، تجد نفسها أمام صدمة حين تظهر عيوبه الحقيقية. وكما تكشف قصص المشاكل الزوجية الواقعية أنّ أغلب الأزمات الزوجية تنشأ من فجوة التوقّع والواقع لا من غياب المشاعر.
يُضاف إلى ذلك غياب التواصل الفعّال بعد مرحلة العشق. إذ تنكفئ كلّ القنوات المفتوحة بين العاشقَين حين تحلّ المسؤوليات اليومية وضغوط الحياة. كذلك يُعدّ تراجع الاستثمار العاطفي في العلاقة عاملًا حاسمًا، وهو ما يُشير إليه الباحثون بـ”نظرية حساب الاستثمار” التي تقول إنّ الرضا في العلاقة يرتبط بمقدار ما يُقدّمه كلّ طرف لا بمقدار ما يشعر به.
- كيف تُحوّلين الزواج عن حب إلى سعادة حقيقية ودائمة؟
السعادة الزوجية الدائمة ليست حظًّا. بل هي قرار يُتجدّد يوميًا.
تبدأ الخطوة الأولى باستبدال التوقّعات بالقبول الواعي. أي قبول الشريك بحدوده الحقيقية لا بصورته المثالية. فالقبول لا يعني الاستسلام، بل يعني الواقعية التي تُتيح للعلاقة التنفّس والنموّ. تتمثّل الخطوة الثانية في الاستثمار المستمرّ في جودة التواصل، ولا سيّما في لحظات الخلاف التي تكشف الشخصية الحقيقية لكلا الطرفين. تُشير دراسات معهد Gottman Institute إلى أنّ وجود خمسة تفاعلات إيجابية مقابل كلّ تفاعل سلبي يُعدّ المعادلة السحرية للعلاقات المستقرة. وتتجلّى الخطوة الثالثة في الحرص على تجديد الروابط العاطفية بوعي وانتظام، عبر اللحظات الصغيرة التي يشعر فيها كلّ طرف بأنّه مرئيّ ومقدَّر. وأخيرًا، لا يجب التردّد في طلب مساعدة مختصّ في الإرشاد الزوجي حين يشعر أحد الشريكين أنّ الأمور تتعقّد. فطلب المساعدة فعل نضج لا اعتراف بالفشل. ولكلٍّ من هذه الخطوات طابعه الخاص باختلاف الشخصيات والظروف، لذا يُنصح باستشارة مختصّ قبل تطبيق أيّ منهج علاجي أو إرشادي.
الخلاصة
الزواج عن حب نعمة حين يُرافقه الوعي. لكنّه قد يُصبح فخًّا حين يُبنى على الوهم وحده.
الحبّ يُشعل الشرارة. غير أنّ الإرادة والنضج والتواصل هي التي تُبقيها مضاءةً. وإن كنتِ تتساءلين إن كان حبّكِ قادرًا على الصمود، فاعلمي أنّ السؤال الأجدى هو: “هل نحن مستعدّان للعمل معًا كلّ يوم على هذه العلاقة؟” وإن لاحظتِ إشارات تُقلقكِ فلا تتجاهليها، بل تعرّفي على علامات تراجع الحبّ في العلاقة لتتصرّفي في الوقت المناسب.
موقع عائلتي



