بلا حدود

تقلبات الأحوال في البلاد والعباد بعد التحرير والاستقلال من المستعمر الغاصب …

ماهر المملوك

عاشت أجيال ما بعد الاستقلال في كثير من بلدان العالم العربي والعالم النامي على حلم كبير، حلمٍ وُلد مع رفع الأعلام الوطنية ورحيل آخر جندي أجنبي عن أرض الوطن. كان الاعتقاد السائد آنذاك أن صفحة جديدة قد فُتحت، وأن المستقبل سيكون أكثر عدلًا وكرامة وازدهارًا، وأن الشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة في سبيل التحرر ستجني أخيرًا ثمار تضحياتها، وستبني أوطانًا يسودها القانون والحرية والتنمية.

لقد نشأنا نحن أبناء تلك المرحلة ونحن نؤمن أن الاستقلال السياسي سيكون بداية الاستقلال الحقيقي بكل معانيه ،استقلال القرار، واستقلال الاقتصاد، واستقلال الإرادة الوطنية.

أحببنا أوطاننا بإخلاص، وآمنا بأن أبناء البلد سيكونون الأحرص على مصالحها من أي مستعمر غريب، ولم يخطر في بالنا يومًا أن السنوات القادمة قد تحمل من التحديات والخيبات ما يفوق في بعض جوانبه ما عانته الشعوب تحت الاحتلال الأجنبي.

لكن مسيرة التاريخ كثيرًا ما تخالف أحلام الشعوب. فبعد سنوات قليلة من الاستقلال، بدأت تظهر حقائق مؤلمة لم تكن في الحسبان. ففي عدد من الدول، تحولت السلطة من وسيلة لخدمة المواطن إلى غاية بحد ذاتها، وأصبح الحفاظ على الحكم أهم من بناء الدولة، وتحولت بعض المؤسسات إلى أدوات لترسيخ النفوذ بدلًا من ترسيخ العدالة وسيادة القانون.

والمفارقة الأكثر إيلامًا أن المواطن وجد نفسه، في بعض التجارب، أمام ممارسات قاسية لم يعد مصدرها المحتل الأجنبي، بل أبناء الوطن أنفسهم. وهنا تكمن المأساة الحقيقية ،فالألم يصبح أشد عندما يأتي من القريب لا من الغريب، ومن الذي يفترض أن يكون حاميًا للوطن لا مستغلًا له.

ولا يمكن إنكار أن القوى الدولية لم تغب عن هذه المشاهد. فالتاريخ الحديث مليء بالأمثلة التي تؤكد أن بعض الدول الكبرى سعت إلى حماية مصالحها عبر دعم أنظمة أو شخصيات تتوافق مع أجنداتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. ولم يكن ذلك حكرًا على منطقة بعينها، بل شهدته مناطق عديدة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. غير أن المسؤولية الوطنية تبقى قائمة، لأن نجاح أي تدخل خارجي لا يتحقق إلا عندما يجد بيئة داخلية تسمح له بالنفوذ والتأثير.

لقد تربت أجيال كاملة على شعارات التحرير، والوحدة، ومقاومة الاستعمار، ومناهضة الإمبريالية والصهيونية، وغيرها من الشعارات التي كانت تملأ الساحات ووسائل الإعلام والخطب الرسمية. وكانت تلك الشعارات تلامس مشاعر الناس وتستنهض فيهم روح الانتماء، لكنها في كثير من الأحيان لم تُترجم إلى سياسات تنموية حقيقية أو إلى مؤسسات قوية تحمي حقوق المواطن وتصون كرامته.

ومع مرور الزمن، اتسعت الفجوة بين الخطاب والواقع. فبينما كانت الشعارات تتحدث عن العدالة الاجتماعية، كان الفساد يتغلغل في مؤسسات الدولة. وبينما كانت الكلمات تتغنى بالكرامة الوطنية، كان المواطن يعاني من الفقر والبطالة وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما كانت الأنظمة تتحدث عن بناء الإنسان، كانت الهجرة تصبح حلمًا لملايين الشباب الباحثين عن فرصة حياة أفضل خارج أوطانهم.

إن أخطر ما أصاب المواطن البسيط لم يكن الفقر وحده، ولا الأزمات الاقتصادية وحدها، بل فقدان الثقة. فعندما يفقد الإنسان ثقته بمؤسسات دولته، ويشعر بأن القانون لا يُطبق على الجميع، وأن الكفاءة لا تكفي للوصول، وأن مستقبله أصبح رهينة الفساد والمحسوبية والصراعات السياسية، فإن الإحباط يتحول تدريجيًا إلى يأس، واليأس إلى شعور بالقنوط وفقدان الأمل.

ولعل ما يزيد المشهد تعقيدًا أن كثيرًا من الدول التي نالت استقلالها امتلكت ثروات طبيعية هائلة، ومواقع جغرافية متميزة، وطاقات بشرية قادرة على صناعة نهضة حقيقية، لكنها لم تستثمر تلك المقومات الاستثمار الأمثل. فضاعت فرص ثمينة كان من الممكن أن تنقل هذه البلدان إلى مصاف الدول المتقدمة، لو توافرت الإدارة الرشيدة، والحكم الرشيد، والمؤسسات المستقلة، والشفافية، والمساءلة.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الصورة ليست سوداء بالكامل. فهناك دول استطاعت، بعد الاستقلال، أن تبني مؤسسات قوية، وأن تحقق معدلات نمو مرتفعة، وأن تجعل من التعليم والبحث العلمي والاقتصاد المنتج أساسًا لنهضتها. وهذا يؤكد أن المشكلة لم تكن يومًا في الاستقلال ذاته، بل في كيفية إدارة الدولة بعد الاستقلال، وفي طبيعة النخب التي سوف تتولى قيادة المجتمعات وهي مهمة عظيمة لقيادة اي مرحلة لتنمية الأوطان ، وتقيم بمدى قدرة التزامها بالمصلحة العامة .

إن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل بمجرد خروج المستعمر، وإنما يبدأ ببناء دولة المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، واحترام الإنسان، وضمان تداول السلطة، ومكافحة الفساد، وإطلاق طاقات المجتمع في التعليم والإبداع والإنتاج. فالحرية السياسية بلا عدالة، والاستقلال بلا تنمية، والسيادة بلا مؤسسات، تظل جميعها منقوصة وعرضة للاهتزاز.

ورغم كل ما مرت به أوطاننا من انتكاسات، يبقى الأمل ضرورة لا ترفًا. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم قادرة على تصحيح مساراتها متى امتلكت الإرادة، وأن الشعوب التي تعلمت من أخطائها تستطيع أن تفتح صفحات جديدة أكثر إشراقًا. فالأوطان لا تبنى بالشعارات وحدها، ولا بالخطب الرنانة، بل تبنى بالعلم، والعمل، والعدالة، والصدق في تحمل المسؤولية.

لقد كان حلم جيل الاستقلال أن يرى وطنًا حرًا كريمًا، وما زال هذا الحلم مشروعًا لكل الأجيال. لكن تحقيقه يتطلب مراجعة صادقة للتجارب الماضية، والاعتراف بالأخطاء، ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فالتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، لكنه يمنح دائمًا فرصة جديدة لمن يملك الشجاعة في الإصلاح، والحكمة في الإدارة، والإيمان بأن مستقبل الأوطان يصنعه أبناؤها عندما يقدمون الوطن على المصالح الضيقة، ويجعلون من خدمة الإنسان أساسًا لكل مشروع وطني حقيقي.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى