نوافذ

الأسعار بين مرتزق وحر

أنا مرتزق…

عندما أكون في خندق لا يعجبهم.

ومقاتل من أجل الحرية عندما أكون معهم.

ولكنني في الحالتين، هذه هويتي:

قدم يسرى أقصر من قدم يمنى. بطن بلا غطاء يحمي المعدة والأمعاء نتيجة قنبلة وعملية جراحية فاشلة. ثلاثة أطفال وزوجة لم تعد تعرف كيف ترقّع ثيابنا.

مشهد مفتوح ومفضوح: هناك من يشعلون سيجارة الراقصة بورقة المائة دولار. وهناك من باتوا مساء بلا عشاء، ثم استيقظوا فإذا نحن بلا إفطار.

أنا قاتل مأجور. ولأنني عندما اشتغلت قاتلاً مأجوراً… استطعت أن أطعم أطفالي.

ستقول لي: أنت تقتل من ليس عدواً لك. وتحارب في مسرح عمليات غريب وليست في وطنك… ولا تهمك مسألة الضمير.

لن أدافع عن نفسي… إن الضمير لا يُربى في المداجن. وأن الوطنية الزائدة لم تحمنا من الفقر المتزايد. نحن، في الحياة اليومية، نعيش على الخط الفاصل بين الفقر والكفر. وهناك من سيدفعنا لكي نهوي في هاوية أحدهما، اليوم أو غداً أو بعد غد.

كانت عضلات التعبير في وجهه تتقلص، كلما أراد أن يشحن، عمداً، كلمة “أنا مرتزق” بقرفه منها. واستنكاره لواقعيتها ووقوعها. قال كنت مقاتلاً في الدفاع عن الوطن. وراتبي عشرون دولاراً. وأنا الآن “مقاتل مرتزق” ويمكنك أن تضع بدلاً منها “مقاتل محترف” وراتبي ألف دولار.

براتب المقاتل الوطني… تموت عائلتي من الجوع… وبراتب المقاتل المأجور نرتب تأميناَ للمستقبل.

في مثل هذا الواقع، بصفاته الواضحة، ووصفاته الفاضحة… يتعذر عليك تأسيس بيئة صحيحة للنقاش في أي شيء. وإذا أردت الإدانة فهي جاهزة حتى على لسانه. وإذا أردت، بالمزيد من كلمات الوطنية، وضمائرها المستترة، إثبات أنه بلا ضمير… فإنك تنسى القسم المتضمن شروط عيش صار عملاً عسيراَ وأشغالاً شاقة بلا جدوى.

قبل أن أغادر سألته: ولكن ما الفائدة من كل شيء إذا أنهت رصاصة حياتك؟

لم يجبني، مد يده إلى حزام عريض كالذي يلبسه مرضى الديسك وفكه، فاندلقت أمعاؤه خارج بطنه في غلالة صناعية شفافة ثم أعادها بيديه إلى ما وراء الحزام.

قال: للأسف لم يقبلوني مرتزقاً بسبب هذه الإصابة.

وأنا الآن، لست مرتزقاً… فيا فرحي ويا طربي!

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى