نوافذ

عنّا نحنُ أبناء “القاع”

لُجين سليمان

بكين – التقيت منذ مدة  بأستاذ جامعي مختص بالتراث والشؤون الثقافية، تبادلنا الأحاديث حول مواضيع متعددة كان منها بعض الأساطير القديمة التي كانت منتشرة منذ زمن بعيد جدا في عدة مدن في الصين، إذ كان سكان بعض المناطق يعتقدون بوجود حياة أخرى بعد الموت. وقد أخبرته بأن بعض الفئات في سوريا تؤمن بالشيء ذاته.

قلت له بعدها ممازحة: “أنا اكتفيت بحياة واحدة، لا أريد أن أولد مرة أخرى”. صدمه جوابي، وبدأ يفعل كما تفعل والدتي تماما عندما أشعر بالإحباط، إذ تُذكّرني بالإيجابيات الموجودة في حياتي، فبدأ يُعدّد المزايا والنعم التي أعيشها. ضحكت قائلة: “هذا كله لا يكفي، هذا كله لا شيء”… لديكم في اللغة الصينية مثل يقول: “لا بلد، لا عائلة”..

شعرتُ بحزنه وتأثّره إذ بدأت الحسرة تسيطر على معالم وجهه، مازحته ثانية بالقول: ” لقد ولدت هذه المرة في سوريا، تخيّل أن أولد المرة القادمة في الصومال مثلا، أليس من الأفضل ألا أكون موجودة في ظل هكذا ظروف”..ولكنّ ذلك لم يغيّر من معالم الحزن والخيبة في وجهه فقلت له:”نحن أجيال خائبة، مهما ارتفعت درجاتنا العلمية وتعدّدت مواهبنا، إلا أن قاع العالم الذي ولدنا فيه لن يفارقنا، نحن فائض على البشرية، فائض يسبح في القاع”. لم يستطع أن يخفي تأثّره، ولم يسمح لنا الوقت بإكمال الحديث.

ذكّرتني مفردة “القاع” التي تلفظّت بها بالسخرية التي غالبا ما ألجأ إليها عندما أمر بحالات من القلق الشديد.فقد ذهبت إلى مشفى الأسنان منذ مدة لمتابعة الإصلاحات التي لا تنتهي،إذ كنت أعاني من وجع شديد.بدأ أطباء الأسنان المتواجدون هناك يناقشون حالتي باهتمام شديد وقد زاد من اهتمامهم أني أجنبية. كنت أراقبهم وأنا اضحك في سرّي وأقول:”يعني مثلا إذ ا متّ بين ايديكم هل تعتقدون أنّ أحدا سيسأل عني، أو يسألكم ماذا فعلتم بهذه الفتاة، يا جماعة أنا من بلاد تحترق بكاملها ولا أحد يأبه فيها للمخلوق المدعو “إنسان” فهل تخشون من هذا الضرس اللعين، تصرّفوا كما تريدون، فأنا من القاع”.

فعلا، قد يكون من أصعب المواقف التي نعيشها نحن أبناء الدول المتأخّرة هي أن نولد في بلاد نحبها كثيرا، وقد لا نحبّ بلادا سواها، إلا أنّ محبتنا لا تغيّر من أنها قاع يسحب أبناءه إلى الوراء كل ما تقدّمت بنا الحياة، ولذلك وفي كل صباح أردّد قائلة:  “اللهم نجّنا من شرّما نحب”.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى