من القدس إلى الجنوب اللبناني.. الاعتداءات الإسرائيلية على الرموز والمقدسات المسيحية
د. محمد الحوراني
لم تكن حادثة اعتداء الجندي الاسرائيلي على تمثال للسيدة العذراء في جنوب لبنان في السادس من أيار 2026، هي حادثة الاعتداء الأولى على الرموز والمقدسات المسيحية في المناطق الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنها كانت من أكثر الاعتداءات قسوة على المؤمنين من أتباع الديانات السماوية بل وأتباع الإنسانية والمحبة في العالم، ذلك أن وقاحة ذلك الجندي الإسرائيلي بإقدامه على وضع “سيجارة” في فم تمثالٍ للسيدة العذراء، في نفس الوقت الذي كانت “سيجارته” في فمه ما هي إلا محاولة دنيئة لإهانة سيدة القداسة والطهر وأتباعها، بل والمؤمنين في العالم، ولم يكن هذا الاعتداء هو الأول على الرموز والمقدسات المسيحية في جنوب لبنان، إذ سبقه بأسابيع قليلة صورة لجندي إسرائيلي آخر وهو يدمر تمثالاً للسيد المسيح في قضاء بنت جبيل في الجنوب اللبناني وهو القضاء الذي شهد أيضًا هدم مدرسة الراهبات المخلصيات وديرًا للعبادة من قبل “جرافات” جيش الاحتلال، وهو الأمر الذي أثار غضب النائبة الجمهورية السابقة “مارجوري تايلور غرين” ودفعها للدعوة إلى وقف تمويل إسرائيل ومنع تكرار ماوصفته “بالفظائع”، داعية المسيحيين الأمريكيين إلى رفع أصواتهم للمطالبة بهذا، ولأن هذه السلوكيات هي أساس السياسة الصهيونية القائمة على العدوان ومحاولات تدنيس كل مايتعلق بالمسيحية والإسلام وقيم المحبة والتسامح، فقد انتشرت هذه الصور والمقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي في إسرائيل انتشار النار في الهشيم ولاقت قبولاً كبيرًا في أوساط المجتمع الإسرائيلي ونخبه المتطرفة، دون أن يكون هناك أية إدانة لهذا السلوك المستفز والمسيء، ودون أن يكون هناك أي وازع أو رادع لهكذا استهتار وإهانة للمقدس سواء أكان رمزًا أو مكانًا أو نصًا.
وإنه لمن الخطأ الاعتقاد أن الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات وأماكن العبادة سواء في فلسطين أو جنوب لبنان تقتصر على المقدسات الإسلامية دون غيرها وخاصة المقدسات المسيحية، ذلك أن الانتهاكات والاعتداءات على المقدسات المسيحية أرهقت كاهل أتباع هذه الديانة ورجالاتها منذ اللحظات الأولى لاحتلال فلسطين وحتى اللحظة، لا بل إن النظرة الصهيونية لأتباع الديانة المسيحية لاتختلف كثيرًا عن نظرتهم لأتباع الديانة الإسلامية، وتنظر غالبية أتباع العقيدة اليهودية إلى المسيحيين بصفتهم “عبدة أوثان” حسب زعمهم، وهو ماتعتقده الغالبية من اليهود وتؤكده ممارساتهم واعتداءاتهم على الرموز والمقدسات والتماثيل المسيحية داخل فلسطين وخارجها، ولعل البعض يذكر حادثة السائح اليهودي الأمريكي الذي دخل في مطلع شهر شباط 2023 إلى كنيسة “حبس المسيح”، في البلدة القديمة في القدس المحتلة، وراح يضرب بمطرقة تمثالاً خشبيًا للمسيح، تمّ إحضاره إلى القدس من إسبانيا في سنة 1912، وهو يصيح: “لا يمكن أن يكون هناك أصنام في القدس، إنها المدينة المقدسة”. وعلى الرغم من الادعاءات الرسمية الاسرائيلية بأن معظم الاعتداءات كانت من يهود مختلين عقليًا إلا أن الوقائع والأحداث تؤكد أن الحكومة الاسرائيلية جزء لايتجزأ من الاعتدءات، كما أنها تقوم بتغطيتها من خلال التواطىء مع المعتدين سواء كانوا أفرادًا أو جماعات، ولعل من أخطر المنظمات التي تقف وراء هذه الاعتداءات وتقوم برعاية المعتدين وتشجيعهم على المزيد من الاعتداءات والانتهاكات، منظمة “تدفيع الثمن” أو “تاج محير”، ومنظمة “لاهافا”، وقد عرفت المنظمتان بدعوتهما إلى حرق كنائس المسيحيين في جميع أماكن تواجدهم، فضلاًعن الدعوة إلى انتهاك حرمة المقدسات المسيحية، وكانت الحكومة الإسرائيلية رفضت طلبًا تقدم به النواب العرب عام 2014 يدعو إلى اعتبار المنظمتين منتظمتين إرهابيتين إلا أن الطلب جوبه بالرفض من السلطات الإسرائيلية. وكانت مجموعة “تدفيع الثمن” اليهودية المتطرفة قامت بجملة من الاعتداءات على المسيحيين عام 2012، تمثل بكتابة شعارات مسيئة للمسيحية والمسيحيين على جدران الكنيسة المعمدانية في القدس الغربية، ولما كان المتطرفون اليهود على قناعة تامة بأن مشروع النواب العرب سيكون مصيره الفشل فإنهم زادوا من وتيرة اعتداءاتهم على المقدسات المسيحية، إذ أقدموا على تدمير كنيسة “القديس بروفيروس” الواقعة في حي الزيتون في غزة، والتي يعود تاريخها لعام 406م، وبعدها قامت المنظمتان المذكورتان بإحراق كنيسة “جبل صهيون” في القدس المحتلة، وكتابة عبارات مسيئة للديانة المسيحية على جدرانها والجدران المجاورة لها. ولم تكن حادثة قتل الراهب اللاتيني من قبل “متطرفين” إسرائيليين داخل كنيسة الشياح في جبل الزيتون 1998 إلا حلقة من سلسلة حلقات من الاعتداء على الرموز وأماكن العبادة المسيحية، بل إن هناك العشرات من الاعتداءات التي سبقتها أو لحقتها، ومنها حوادث سرقة الكنائس أو حرقها وتشويهها وهدمها وإفراغها من محتوياتها، فضلاً عن حوادث تدنيس المقابر ونبش القبور فيها، لا بل إن تماثيل السيدة العذراء لم تكن بمنأى عن اعتداءاتهم وسرقاتهم منذ الأعوام الأولى للاحتلال، ففي عامي 1968-1969 قام مستوطنون صهاينة بالسطو على كنيسة القيامة في البلدة القديمة والاعتداء على تمثال السيدة العذراء وسرقة مجوهراته وتاجه المرصع بالأحجار الكريمة. ويؤكد تقرير توثيقي سابق للجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين أن هناك العشرات من الاعتداءات الكبيرة والمنظمة على المقدسات والرموز المسيحية في القدس وحدها منذ عام 1967، ومن بينها محاولات متكررة لإحراق كنيسة القيامة وكنائس أخرى، كذلك الاعتداء الجسدي على البطريرك الأسبق للروم الأرثوذكس “ثيوذوروس” والاعتداء على خليفته البطريرك “إيرنيوس”، فضلاً عن قتل الأرشمنديت “جرمانوس” أثناء قيادته لسيارته على طريق القدس أريحا مقابل مستوطنة “معاليه أدوميم” في عام 2001. وخلال قداس يوم الأحد 19/3/2023، اقتحم يهودي متشدد كنيسة الجثمانية في جبل الزيتون في القدس، وهو يحمل أدوات حادة، محاولاً الاعتداء على المطران “يواكيم” وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي به، أثناء رئاسته للصلاة وإقامته للشعائر الدينية في الكنسية المذكورة، واعتدى بالضرب على أحد الكهنة. وبحسب البيان الذي أصدرته بطريركية الروم الكاثوليك المقدسية، قام المسيحيون المتواجدون في خدمة القداس بإلقاء القبض على المعتدي وأخرجوه خارج الكنيسة المقدسة. هذه الممارسات والاعتداءات ليس غريبة على الإسرائيليين وتاريخهم الحافل بالعدوان والحقد على غيرهم من أتباع الديانات الأخرى، وتذكرنا حوادث التاريخ بكثير من حوادث الاعتداء من بعض اليهود على المقدسات والرموز المسيحية، كما لا ننسى اضطهادهم للنبي عيسى عليه السلام، ووشايتهم للرومان بمكانه قبل تقديمه للمحاكمة. ولعل القارىء المتمعن في تاريخ الاعتداءات الإسرائيلية على أماكن العبادة في فلسطين والقدس يدرك تمامًا أن هذا السلوك كان ممنهجًا خلال أكثر من سبعة عقود أعقبت الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، كما أن الكيان الصهيون بدأ منذ عام 1967 بهجمات ممنهجة ومتكررة على المقدسات وأماكن العبادة المسيحية في فلسطين. صحيح أن وتيرة الاعتداءات ارتفعت بشكل كبير خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، إلا أن هذا لم يكن جديدًا على السياسة الصهيونية في القدس خصوصًا، بل إنه أتى كنتيجة حتمية للتحريض الذي ترعاه الحكومة الإسرائيلية العنصرية تجاه كل ما هو غير يهودي في فلسطين. ويؤكد رمزي خوري رئيس اللجنة الرئاسية العليــا لمتابعة شـــؤون الكنــائس في فلســطين للجزيــرة نت 11/2/2023 أن ما يقوم به المستوطنون الإسرائيليون ماهو إلا نتيجة طبيعية للتحريض الذي تقوده الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بوجه عام والحكومة الحالية برئاسة شخصيات أكثر تطرفًا بوجه خاص، وتهدف حملات التحريض هذه، وفق خوري، إلى تفريغ المدينة المقدسة من سكانها الأصليين، وتغيير الواقع التاريخي والجغرافي فيها، مع استمرار التغاضي عن الإرهاب الذي يمارسه المستوطنون ضد المقدسات الإسلامية والمسيحية ورجال الدين. مما تقدم يمكننا القول: إن الممارسات الإسرائيلية المتمثلة بالاعتداء على المقدسات ورجال الدين المسيحي تمثل استهدافًا للوجود المسيحي في المدينة المقدسة وفي غيرها من المناطق الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، كافة، كما أنه سياسة عدوانية قائمة على الحقد الممنهج لفرض واقع سياسي وأمني يهدف إلى تثبيت دعائم الرغبة الصهيونية وتكريس سياسته العدوانية الهادفة إلى تهويد الجغرافيا الواقعة تحت سطوة المحتل، والقضاء على التنوع والتعددية الثقافية والدينية التي ميزت القدس عبر تاريخها، فقد كانت مدينة مقدسة للديانات السماوية كافة، وما زال أبناؤها حتى اليوم يفخرون بالتسامح الــــــذي ميز تــــــاريخ مـــــدينتهم وجعلها مضــــرب المثل في احتضان الجميع دون تمييز بين دين أو عرق أو جنسية.
بوابة الشرق الأوسط الجديد


