
في زمنِ الذُّلِّ والخيانةِ والانبطاح يبدو الأديبُ الثّائرُ والشّاعرُ المُقاوِمُ غريباً عن مُحيطِه ومُجتمَعهِ والعالَم بأسْرِه، فالحربُ مجنونةٌ، والتُّهمةُ جاهزةٌ لكُلِّ مُبدعٍ آثرَ الانحيازَ لقضيّتِه، واختارَ القبضَ على جمر الانتماء، ومعَ هذا فإنَّ ثمّةَ مَنْ آثَرُوا رَهْنَ فِكْرِهم للمبدأ الذي عاهَدُوا اللهَ والتّاريخَ عليه، حتّى وإنْ حُورِبُوا، وهُدِّدُوا، وضُيِّقَ عليهم، وهذا هو حالُ ثُلّةٍ من الكُتّابِ والمُبدِعينَ والشُّعَراء.
في ديوانِه “خساراتُ يوشع بن نون” الصّادرِ عن دار البيان العربيّ في بيروت، يُصِرُّ الشّاعرُ الفلسطينيُّ المُقاوِمُ صلاح أبو لاوي على التَّنسُّكِ في محرابِ الأدبِ المُقاوِم، الذي نشأَ عليهِ، وتَرَعْرَعَ بينَ سُطورِه وفي قلبِ حُروفِه وكلماتِه، حتّى غدا في طليعةِ الشُّعراءِ المُقاوِمينَ والمُتَخَنْدِقينَ دفاعاً عن صِدْقِ الكلمةِ وعَدالةِ القضيّة، مهما تكالبَ عليها الأعداءُ، وتآمرَ المُتآمِرُون، ولهذا فلا غرابةَ أن يكونَ شاعرُنا واثقاً بالنَّصْر، ومُوقِناً بالتَّحرير، حتّى وإنِ اسْتُشْهِدَ القادَةُ الكِبارُ، وبَدَتِ السّاحاتُ خاليةً من الرُّمُوز، فهؤلاءِ القادةَ لا يُمكِنُ أن تنتهيَ حياتُهم باستشهادِهم، بل إنّ البدايةَ الجديدةَ والحكايةَ الخالدةَ لبُطولاتِهم وثَباتِهم على الحقِّ تبدأُ لحظةَ اسْتِشْهادِهم الخالد، وأرواحُهم الطّاهرةُ ستتسلّلُ بينَ السُّهول والجبال وعلى الصُّخور وفي البِحَار والوديان.
إنَّهُم أبناءُ البُطولةِ والمُقاوَمة في زمن الذُّلِّ والخُنوع والتَّطْبيع، وهم أحفادُ جعفر الطّيّار بمسيرتِهِ المُبارَكةِ وسِيرَتِه الخالدةِ في معركةِ مُؤْتَة، فبعدَ أن قُطِعَتْ يمينُه ابتدرَ الرّايةَ بيسارِه إلى أنْ قُطِعَتْ يسارُه، فاحْتَضنَها بينَ عَضُدَيهِ، وقاتلَ ببسالةٍ حتّى اسْتِشْهادِه، وهو الاستشهادُ الذي وَلَّدَ مئاتِ الأبطالِ من أحفادِه، ومنهم إبراهيمُ الطّيّار، أحدُ أبطالِ ديوان صلاح أبو لاوي، الذي رسمَ معالمَ الطّريقِ للمُقاوِمينَ الأبطال، وهو الطَّريقُ الذي لا مجالَ للرُّجوعِ فيهِ أو التَّخلِّي عنه:
إنْ قَطَعُوا ساقي اليُسرى
فاليُمنى تكفيني
كي أقفزَ في وجهِ عَدُوّي كالنّمر
أو قَطَعُوا الأُخْرى
فذِراعايَ جناحا نَسْر
فإنْ وَهَنَتْ
سأقاتلُ بالصَّدْر
فأنا
لا أطعنُ أحلامَ بلادي بالعُذْر…
في “خسارات يوشع بن نون” لا يُعوِّلُ شاعرُنا على الزّعاماتِ والحكومات والمحطّات، فكُلُّها كاذبةٌ، وكُلُّهم كاذِبُون، والشُّهداءُ وحدَهُم همُ الصَّادقُون، ولهذا تحتشدُ الرُّموزُ في نصوص ديوانه، كما تحتشدُ الأماكنُ بكُلِّ ما فيها من صُنوفِ المُقاوَمةِ والتَّضْحيةِ والتَّفاني في الدِّفاعِ عن القضيّة، تماماً كما يحتشدُ الشُّهداءُ من القادَةِ والأدَباء والأطفال والنِّساء، فثَمّةَ:
شعبٌ يتوضّأُ بالدّم صباحاً ومساءً
ويُصلّي للتَّحريرِ صلاةَ الطُّوفان
في غزّةَ
لا يتوقّفُ هذا الموتُ عن الطَّيران…
ويمزجُ الشّاعرُ ببهاءِ لُغَتِه وقُدسيّةِ كلماتِه بينَ الأماكنِ والرِّجال، فثمّةَ أماكنُ لا تموتُ، وثمّةَ رموزٌ تُكتَبُ لها الحياةُ بعدَ استشهادِها، ويكبرُ الحلمُ بينَ يدَيها:
وبينَ يديك قُطوفُ السَّماءِ دانية
فاصْعَدِ المُستَحيل
كما صَعِدَ المُستحيلَ الحُسَين
كما صَعِدَ الشُّهداء الجنوب
كما سوفَ تصعدُ مِنْ دمِها الضَّاحية…
إنَّهُ ديوانُ الأمل على الرَّغمِ من الألم والجراح. إنَّها فلسفةُ التَّاريخ التي يُجيدُ الشّاعرُ قراءتَهُ بما فيهِ من عُمقِ الدلالة وألَقِ المعنى. هكذا هيَ نصوصُ “صلاح أبو لاوي” عابرةٌ للزَّمانِ والمكان، وحاضرةُ بقُوّةٍ على الرَّغمِ مِنَ الحربِ عليها. إنّها سِيرَةُ الكِفاحِ والنِّضالِ في أرضٍ سُقِيَتْ بدِماءِ الشُّهَداءِ لتُنبِتَ الأصالةَ والوفاءَ في زمَنِ الخَوَنَةِ والعُمَلاء.
طُوبى لصلاح أبو لاوي في مُحاوَلَتِهِ اسْتِنْهاضَ الهِمَمِ وتَمسُّكه بالحقِّ في زمنِ التَّخلِّي عن الحُقوقِ والمبادئ. طُوبى لأنامِلِه المُبدِعَة، وهي تُسطِّرُ تاريخَ العِزِّ في زمنِ الذُّلّ، وطُوبى لكُلِّ إصبعٍ لا تزالُ تَقْبِضُ على زِنادِ المُقاوَمة، حتّى تحرير فلسطين. طُوبى للصَّابرينَ على الأذى لأنّهُمْ أهلُ الحقِّ والحقيقةِ، ولأنّهُمْ سادَةُ الفِعْلِ والمعنى، لا يَضُرُّهم مَنْ خَذَلَهُمْ، ولا تنالُ من صلابةِ مَواقِفِهم سفاهةُ سفيهٍ ولا شتيمةُ وضيع.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة

