كتب

لورا مقدسي: استغاثات تحت أنقاض مرفأ بيروت

ساري موسى

بين أنقاض مرفأ بيروت وهول «سفر الرؤيا»، تستعيد لورا مقدسي سيرة «سامي خواجة»؛ المقاتل السابق الذي نجا من الحرب الأهلية، ليحاصره ركام السلم وإدمان الخسارات تحت وطأة منظومة متوحشة

 

لم يحضر انفجار مرفأ بيروت في الأدب اللبناني، وفي الرواية تحديداً، حضوراً يوازي هوله كحدثٍ واقعي، مع أنَّه يبدو منتمياً إلى الأدب الديستوبي أكثر من انتمائه إلى الواقع. لم يحضر كحدثٍ محرِّكٍ للأحداث الأخرى، لا واحداً من سلسلة الكوارث المتتالية التي احتشدت بها السنوات الأخيرة من عمر البلد الصغير المرميِّ بين البحر والجبل، كما ورد ذِكره في رواياتٍ مثل «هند أو أجمل امرأة في العالم» لهدى بركات.

إذا ما أردنا الاجتهاد في التفسير، يمكن أن يكون سبب ذلك حضوره الكبير في وسائل الإعلام المختلفة، بما فيها المكتوبة، ما أضعف الكتابة الأدبية عنه، على عكس ما هي الحال عليه في سوريا، البلد المجاور الذي لعب الضعف التاريخي لوسائل إعلامه دوراً في اتِّكاء روايات كُتَّابه على أحداث التاريخَيْن المعاصر والحديث، وتناولها بإسهاب.

بداية من سفر الرؤيا… وسامي تحت الركام

في رواية «سامي هاني خواجة» (دار الآداب) للكاتبة اللبنانية لورا مقدسي، يُشكِّل انفجار المرفأ بداية الأحداث، التي تُقدِّم لها الكاتبة بمقطعٍ يُحاكي نهاية العالم من سفر رؤيا يوحنَّا، وتواكبها بسردٍ يُشبهه، حيث «الأبيض المتوسط قد تحوَّل بحراً من رماد، في وسطه قطعانٌ من الأبقار تنفث في الهواء دخاناً أسود، وتسبح بتثاقل نحو النهايات المحتومة. يتناهى إليَّ من بعيدٍ خوار بقراتٍ تُساق إلى الذبح».

لا يموت سامي مباشرةً تحت الركام الرمزيّ لبيت العائلة القديم في الأشرفية، التي أصبحت بعد الانفجار مثل «خيمةٍ شلَّعتها العاصفة»، بل ينطلق في تذكُّر محطات حياته وهو عالقٌ ينتظر من يُنجده. يُلخِّص مصير عائلته الصغيرة مصائر اللبنانيين جميعاً؛ فهو لم يُسافر لأنَّ «الهجرة ليست حلّاً إلا لمن ينتمي إلى أرض، إلى وطن، إلى مدينة، إلى زريبة. أمَّا مَن اكتفى مِن الانتماء بالحيّ الذي نشأ فيه، والبيت الذي ورثه عن أبيه، فلا حاجة به إلى السفر، لأنَّه لم يعد ينتمي إلى شيءٍ سوى ذاته». أخذ الرجل يعمل في استيراد الأخشاب والتجارة بها بعد انتهاء الحرب الأهلية التي شارك فيها بفعالية.

أراد أن يصير غنيَّاً للتعويض عن خساراته السابقة في الحرب وقبلها. ولأنَّ «المال زينة الرجال» كما يعتبر، راح يأخذ قروضاً من المصارف بفوائد عالية رغم تحذيرات أخته المُحِبَّة للأدب والفنون من أنَّ «التجارة مهنة الذين لا مُخيِّلة لهم ولا ضمير». ولعدم قدرته على سدادها، اضطرّ أخيراً إلى رهن بيت العائلة. أما أخته هنادي، فهاجرت إلى فرنسا، حيث أكملت تعليمها العالي في «السوربون».

تمرّ الرواية على الحرب الأهلية ثم الانسحاب السوري من لبنان

هاني خواجة، الأب الذي لا تغيب ظلاله رغم تغييبه قبل عقود، هو أستاذ جامعي ومفكِّر، وضع مؤلَّفاتٍ عدة قبل أن يقبض عليه الجيش السوري في بيروت، ويسوقه إلى سجن تدمر حيث انقطعت أخباره. أما الأمّ وداد، فقد عوَّضت غياب الأب إلى الحدِّ الأقصى، عاطفياً بالنسبة إلى ولديه الصغيرين، ومادِّيَّاً عبر عملها ممرضةً بدوامٍ ليليٍّ في مستشفى قريب. كما إنَّها ظلَّت تحضر في التجمُّعات وخِيَم الاعتصام التي يُقيمها أهالي المفقودين، حتى توفِّيت بطريقة عبثيَّة خلال أحد التجمُّعات.

حرب لم تنتهِ… وسقوط في إدمانات السلم

يهرب المقاتل السابق من ملل سنوات السلم إلى المغامرة واللحظات الحدِّيَّة. أبرز هذه اللحظات تصويبه المتكرِّر لمسدَّسه إلى صدغه في المواقف العصيبة، وأكثرها تواتراً مجادلاته مع كليمانس، زوجة صديقه المُقرَّب عصام، المهووسة بعمليات التجميل ولفت أنظار الرجال وأوَّلهم سامي، ما أودى بعصام إلى مصيرٍ أسود ألقى سامي على نفسه باللوم للمشاركة فيه.

مغامراته التجاريَّة من تلك المواقف أيضاً، مغامراته النسائية كذلك، وإدمانه الجنس مع ممتهناتٍ له، إضافةً إلى أنواعٍ أخرى من الإدمان أشرسها القمار والخمر، ما جعل علاقته متوترةً مع أمِّه التي استقلَّ عنها في سكنه، من دون أن يمنعه ذلك من أن يستغلَّ حبَّها لابنها الوحيد من أجل الدخول في مشروع جديد، أو الخروج من مأزقٍ كتهديد المصرف له بسجنه لتأخُّره عن تسديد أقساط الدَّين، وهو ما دفعها لتجاوز خطٍّ أحمر تمثَّل في رهن البيت وتعريضه لخطر الحجز.

أولغا… الخلاص المؤجَّل؟

كان ارتباطه بأولغا، المرأة الأوكرانية التي أتت إلى لبنان لتعمل موظَّفة استقبال في أحد فنادق الروشة، قبل أن تكتشف أنَّها وقعت ضحية خِداع، نتيجةً لإحدى مغامراته في الكسليك، المنطقة الواقعة إلى شمال بيروت. لم تبقَ علاقته بها عابرة، بل أحضرها إلى بيته لتعيش معه، ثم عرَّفها إلى أمِّه وأخته اللتين أحبتاها، ربَّما لأنهما وجدتا فيها من يمكن أن تُخرجه من عزوبيته المديدة، وتُنجب له أولاداً يحملون اسمه ويُكملون سُلالة أبيه، وتُنسيه داليا، حبّه الأول في أيام الجامعة، التي رفضته كما رفضه أهلها بسبب تلوُّثه بوحول الحرب الأهليَّة. هو الذي اعتبر أنَّ مشاركته فيها كانت من أجل داليا وأهلها وسكَّان منطقته. إلى أن قرَّر سامي قطع علاقته بأولغا، بعدما ترتَّبت عليها نتائج ومسؤوليات لم يُرِد أن يتحمَّلها.

لبنان المعاصر في خلفية السرد

تمرُّ الرواية على ما لا مفرَّ من التعرُّض له في أيّ روايةٍ لبنانيَّةٍ معاصرة؛ على أزمات البلد المُستباح: تلك التي سبقت انفجار المرفأ وأعقبت الحرب الأهلية ثم الانسحاب السوري من لبنان، وكذلك التداعيات المحلية للاقتتال الذي آلت إليه الثورة في البلد الجار، ثم حراك تشرين الأول من عام 2019، الذي رأى سامي فشله في الإطاحة بـ «منظومة التوحُّش والفساد». لم يُنقَذ أحد سامي خواجة من الأنقاض الرمزيَّة التي يرزح تحتها، كما ظلَّ ينتظر ويرجو. تعبر سيارات الإسعاف إلى المستشفيات غير المُدمَّرة يلحقها زعيق أبواقها. تعبر فرق الإنقاذ من دون أن تسمع استغاثاته غير المنطوقة. يعبر العابرون إلى أشغالهم بعد ثمانية أيام على وقوع الانفجار من دون أن يلتفت إليه أحد. من يراهم أو يسمع أصواتهم ليسوا سوى أحبائه الذين لم يُقدِّرهم في حياته حقَّ قدرهم.

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى