الحرب الصينية السوفييتية الباردة صراع على قيادة الثورة

عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: جامعة نورث كارولينا، نيويورك، 2016
عدد الصفحات: 304 صفحات

يكتسب هذا الكتاب أهميته أولاً بفضل الجهود العلمية التي بذلها مؤلفه الأكاديمي الشاب، وخاصة من خلال التنقيب والاطلاع على ملفات الأرشيفات الوطنية في عدد من بلدان العالم التي عرض المؤلف لأحوالها وتاريخها القريب عبر صفحات الكتاب.

كما تزداد هذه القيمة كما يذكر محللون لمضامين هذا العمل من واقع الحضّ على استقاء عبرة التاريخ التي تفيد كما تقول الكاتبة جوليا لوفيل في مقالها المنشور نقداً وتحليلاً لهذا الكتاب (الغارديان اللندنية 30/7/2015) في تفهّم أبعاد ودلالات أزمة المهاجرين الراهنة التي جاءت، في تصور الناقدة المذكورة أعلاه، محّصلة في جزء منها لعقود زمنية من فشل جهود التنمية ومن آفة زعزعة الاستقرار السياسي، وكلها شكلت نتائج نشأت أو تفاقمت بسبب صراعات ونزاعات الحرب الباردة (سواء في نسقها التقليدي المتعارف عليه على نحو ما شهدته حوليات النصف الثاني من القرن العشرين بين معسكري الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي)، أو سواء كانت هي الحرب الباردة »الأخرى«، الموازية أو الشبح الظل على نحو ما يذهب إليه مؤلف هذا الكتاب، وقد جسدتها أسباب وتطورات ما وُصف في الفترة ذاتها بأنه الخلاف الصيني السوفييتي، ولا سيما خلال المرحلة التي قادها كل من الزعيمين نيكيتا خروشوف في روسيا وماو تسي تونغ في الصين.

على الرغم من تعريفها بأنها »حرب باردة«، إلا أن استهلالها كان بالغ السخونة شديد التدمير: كانت بدايتها كما يجمع مؤرخو زماننا يوم السادس من أغسطس من عام 1945. هو التاريخ الذي شهد صدور الأمر من رئيس الولايات المتحدة وقتها هاري ترومان بإلقاء القنبلة الذرية على اثنتين من مدن اليابان، هما هيروشيما ونغازاكي.

بهذا استسلمت اليابان الإمبراطورية، وقد سبق هذا استسلام ألمانيا الهتلرية بعد اقتحام عاصمتها المنيعة في برلين بل وانتحار زعيمها أدولف هتلر في 30 أبريل من العام، 1945. ثم تشاء الأقدار أن يسبق هذا التاريخ بيومين ليس إلا اعتقال وإعدام زعيم إيطاليا الفاشستي الدكتاتور بنيتو موسوليني، واتخذ هذا الإعدام طابعاً درامياً وعلنياً في إحدى ساحات مدينة ميلانو.

هكذا دقت ساعة النهاية للحرب العالمية الثانية، بعد أن راح ضحيتها أكثر من 80 مليون من البشر مدنيين وعسكريين، فضلا عما لحق بكل أجزاء عالم آخر الثلاثينات والنصف الأول من الأربعينات من دمار شامل، كان من شأنه أن يشكّل دروسا مريرة لا تنسى بالنسبة لقادة وزعماء الدنيا في ذلك الزمان.

لكن هناك ظاهرة كان ينبغي تفسيرها من خلال إمعان الدرس الفلسفي والتعمق الفكري في أحوال العالم. والظاهرة تحمل العنوان التالي: جدل التاريخ، بمعنى أن حوادث التاريخ لها منطقها الخاص الذي لا يسير وفق نهج واحد أو في خط مستقيم.

من هنا كان لا بد وأن تُسلم صراعات الحرب العالمية إلى نمط آخر من أنماط العداوة والصراع على الصعيد العالمي أيضا. وفي هذه الأجواء جاء مخاض النمط الآخر من أنماط الصراع الدولي، هو مخاض الحرب الباردة. ومن المفارقات أن تنشأ أو تندلع هذه الحرب المستجّدة بين الطرفين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية وهما:

الطرف الروسي الذي كان يجسّده المعسكر الاشتراكي ويتزعمه الرفيق جوزيف ستالين (1878،1953) ويعتمد الإيديولوجية الماركسية وكان يضم المعسكر الكتلة الشرقية، (بلدان شرقي أوروبا)

الطرف الأميركي الذي كان يجسده المعسكر الرأسمالي وتتزعمه الولايات المتحدة (مع أوروبا الغربية) ويعتمد أيديولوجية السوق الرأسمالية تحت شعار العالم الحر ويضم الكتلة الغربية (بلدان غربي أوروبا).

هكذا شاءت أقدار عالمنا أن يدخل في غمار حلقة جديدة من حلقات صراع الكتلتين الشرقية والغربية على امتداد الفترة التي انداحت سنواتها من أواخر الأربعينات إلى أواخر الثمانينات من القرن العشرين.

.. وقامت ثورة الصين

ولقد أضيف إلى معادلات القوة الدولية رقم جديد حمل بدوره اسم الثورة الصينية الكبرى التي أعلنت دولتها الفتية الجديدة في العاصمة بكين في سبتمبر من 1949 وبقيادة زعيمها ماوتسي تونغ (1893-1976).

وعلى مدار السنوات الأولى من عقد الخمسينات شهد العالم كيف جاءت ثورة الصين بعقيدتها الماركسية ودولتها الشيوعية لتشكل إضافة كبرى بكل المقاييس إلى الاتحاد السوفييتي بشكل خاص وإلى المعسكر الاشتراكي الشرقي بشكل عام.

مع ذلك، فقد شاءت المقادير في كل من بكين وموسكو أن تفترق السبل بينهما مع أواخر خمسينات القرن لدرجة أن عاش العالم وقتها ظاهرة حملت الوصف السياسي التالي: الخلاف الصيني الروسي.

ظل الحرب

في هذا الإطار يخرج باحث أميركي شاب هو الدكتور جيرمي فريدمان أستاذ أصول الحكم في جامعة هارفارد بدراسة تكاد تفصح من واقع عنوانها عن ظواهر سياسية ظلت مستترة خلال العقود الأربعة الممتدة من الخمسينات إلى التسعينات من القرن العشرين. عنوان الدراسة وهو بالطبع عنوان الكتاب الذي نعايشه فيما يلي من سطور هو: ظلّ الحرب الباردة.

والعنوان تفسره العبارة التي تتلوه بشكل فرعي على غلاف الكتاب نفسه وهي: التنافس الصيني السوفييتي على العالم الثالث.

ولعل العنوانين السابقين يفسّران الغاية المحورية التي يتوخاها مؤلف هذا الكتاب، وبمعنى أنه فيما شهد عالم الحقبة الزمنية نفسها التي أومأنا إليها، صراعاً تنافسياً بين موسكو وواشنطن حول قيادة العالم بشكل عام، فإن طروحات كتابنا ترسم مسارا آخر، حين يذهب مؤلفه إلى أن العالم كان يشهد في الوقت نفسه صراعاً تنافسياً بدوره ولكن بين موسكو وبكين على الفوز بتأييد الكتلة المستجدة من شعوب القارات النامية الثلاث: أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وقد عرفها العالم منذ مطالع الستينات باسم العالم الثالث وهو الكيان الذي جاء بداهة ليتلو العالم الأول (الحر كما وصفوه) وعاصمته واشنطن ثم العالم الثاني (التقدمي كما وصفوه أيضا) وعاصمته موسكو.

ثم يضيف المؤلف على وجه التحديد أن الحرب الباردة الموازية، حرب الظل الباردة كما سماها، كانت في جوهرها صراعاً تنافسياً على قيادة الثورة العالمية.

ملفات الأرشيف الدولي

هنا يلاحظ قارئ الكتاب كيف بذل المؤلف جهودا مضنية ومتواصلة للغوص في أضابير أرشيفات وملفات بلدان عديدة، وكان في مقدمتها كل من الصين وروسيا، وهي الجهود التي أفضت بالبروفيسور فريدمان إلى تأكيد نشوب حرب باردة موازية، ظلت رحاها دائرة بين قطبْي العالم الاشتراكي متخذة في ذلك أساليب مختلفة ومظاهر متباينة، ولكنها شكلت في جوهرها ومساراتها ومآلاتها صراعات على نيْل النفوذ فضلا عن محاولة تحقيق المكاسب الاقتصادية والتأثيرات السياسية على صعيد بلدان ذلك العالم الثالث.

تابع الطرفان المتنافسان مراحل بزوغ وتطور هذه الكتلة الثالثة التي يؤرخون لبداياتها بانعقاد مؤتمر باندونغ في إندونيسيا عام 1955، وهو المؤتمر الذي جمع بين شوين لاي من الصين وجواهر لال نهرو من الهند، ثم لأول مرة زعيم شاب جاء وقتها من العالم العربي، وكان اسمه جمال عبد الناصر.

بعدها شاءت التطورات أن تنضج حركة الحياد الإيجابي (بعيدا عن معسكريْ الشرق والغرب) إلى حيث تحولت إلى حركة »عدم الانحياز« التي جاء تدشينها في مؤتمر بريوني عام 1956 بعد أن انضم إليها زعيم يوغوسلافيا المنشق على الكتلة السوفييتية جوزيف بروز تيتو، ليعلن مع نهرو وعبد الناصر ميلاد الحركة التي لا تزال قائمة حتى الآن.

في هذا السياق يوضح كتابنا كيف بذل الاتحاد السوفييتي مع مطالع الستينات جهودا متواصلة لاجتذاب بلدان عدم الانحياز، وكان معظمها حديث الاستقلال ورافعا شعارات معاداة وتصفية الاستعمار من أجل التخلص من التركة المقيتة المتخلّفة عن المواريث الكولونيالية المرتبطة بما فرضته القوى الإمبريالية الغرب أوروبية على شعوب القارات النامية الثلاث.

على أن المؤلف يؤكد في سياق هذا الكتاب كيف أن الصين ظلت غائبة، أو غير محسوسة كما قد نقول، عن اهتمامات ومتابعات المراقبين السياسيين، الذين لم يلقوا بالا ولا أعطوا الاهتمام الواجب وقتها لحركة الصين في غمار تنافسها مع موسكو السوفييتية: ساعد على ذلك، كما يضيف المؤلف أيضا، استمرار وشيوع الصورة المقولبة المنطبعة عن صين ماو تسي تونغ، بالذات على امتداد السنوات العشرين الممتدة بين منتصف الخمسينات إلى قرب منتصف السبعينات: صورة البلد المنغلق على نفسه.

شتائم الزعيمين

لقد وصل التضاد بين الجبهتين والبلدين في روسيا والصين ذروته مع فاتح العقد الستيني. هنا يستعيد مؤلف كتابنا ما شهده بالذات عام 1960: كان الزعيم السوفييتي وقتها نيكيتا خروشوف غاضبا (يلمح المؤلف أيضا إلى أنه كان مخموراً) وهكذا وقف خرشوف لينعت الزعيم الصيني ماو بأنه مجرد حذاء مهترئ قديم (!) وسارع ماو من جانبه ليصف سياسات الكرملين السوفييتي بأنها مجرد ثرثرة طويلة وعفنة أيضا. وهنا يضيف كتابنا قائلاً: ومع حلول عام 1969 كانت الصين وروسيا على حافة اندلاع حرب نووية بينهما.

مع ذلك تمضي فصول الكتاب لتوّضح أن الصين مع كل بذلته وقتها من جهود لم تحقق نجاحا يُذكر في إقناع الأطراف الأوروبية بأن السوفييت »خانوا« الثورة البلشفية. وكل قصاراهم أن ضموا إلى صفوفهم وقتها بلداً واحداً. صغيراً ومتواضعاً أيضاً في جنوب أوروبا، وهو ألبانيا.

أما روسيا، فقد حققت انتصارات على جبهة هذا الصراع ضد الصين، وخاصة حين أعلن خروشوف مع انتصاف الخمسينات شعاره الشهير: التعايش السلمي.

ثم بادرت زعامة الكرملين مع مطلع الستينات إلى ترجمة هذا الشعار على شكل معونات ومشاركات مع شعوب العالم الثالث حيث جاءت الترجمة، كما يسجلها الكتاب على الوجه التالي: مزيداً من الزبد.. وقليلاً من المدافع.

ثم يضيف الكتاب موضحا كيف أن هذا الشعار وجد ترجمته في الواقع العملي في أقطار بارزة من العالم الثالث، ومنها بالذات كل من مصر والجزائر، ولدرجة أن جاء عام 1976 ليشهد إعلان الاتحاد السوفييتي وقتها بأنه الراعي المسؤول الأول عن تصفية جميع بقايا نظام الاضطهاد والقمع الاستعماري، وهو ما جعل عقديْ الستينات والسبعينات حقبة بالغة التميز.

ثم جاءت وفاة ماو تسي تونغ في عام 1976. وما كان من أمر القيادة التي خلفته في زعامة الحزب والدولة في بكين متمثلة في دنغ هيساو ينغ (1904،1997) إلا أن ظلت تصدُر عن منطق عملي نفعي واقعي، كما قد نسميه، وهو ما دفع هذه القيادة الصينية الجديدة إلى الانسحاب من صراع الحرب الباردة مع السوفييت ولصالح التركيز على مشكلات الصين وإصلاحاتها الداخلية.

وجاء عام 1979: العــــام الذي شهد ورطة الاتحاد السوفييتي، الكارثية كما يصفها المؤلف، في أفغانستان وهي التي أفضت بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ إلى بدايات تــصدع الكيان السوفييتي بأكمله.

وفي كل الأحوال، يخلص المؤلف إلى نبرة نراها موضوعية في الحكم العام على الحربين الباردتين حرب الأصل وحرب الظل كما يسميها، فيقول: كان النصف الثاني من القرن العشرين محاولة من جانب أطراف شتى في عالمنا من أجل اللحاق بمسيرة البلدان المتقدمة وتحقيق توزيع للثروة أكثر عدلا وأشد إنصافا على الصعيدين الداخلي والدولي على السواء. وإذا كان صحيحا أن الحرب الباردة قد انتهت. فإن المشكلة الأساسية المتمثلة في حالة اللامساواة ما زالت باقية حتى الآن.

ماو يركز على أهمية دور الفلاحين

ولم يكن صدفة، كما تؤكد مقولات هذا الكتاب أن تركيز الزعيم ماو على دور الفلاحين في تحقيق الإنجاز الثوري وفي قيادة مسيرات التغيير الاجتماعي كان عاملاً جاذباً لشعوب كثيرة في العالم الثالث. وزاد من جاذبية هذا العامل ما ظلت تبذله الصين من جهود انطوت، كما يوضح الكتاب أيضا، على نوع من مغازلة تلك الشعوب: أولاً من خلال طرح النموذج الصيني في تكريس قيمة العمل وفي جدية السلوكيات الاجتماعية، بعيداً عن مشاهد وسلوكيات اللهو التي كانت تصوّرها أفلام هوليود.

وكان طبيعياً أن تحوز هذه الصورة الصينية إعجاب وتأييد قطاعات واسعة النطاق في عالم الستينات من متمردي اليسار والثوار الجدد كما قد نسميهم، في بلدان أوروبا الغربية ذاتها، خاصة تلك القطاعات التي أعلنت رفضها وشجبها لتركة الحقبة الكولونيالية التي فرضتها بلادهم على شعوب العالم الثالث، التي ظلت تعاني صنوف التعسف والاستغلال.

وهنا ينشر الكتاب ما يصفه بأنه قائمة المعجبين بصين ماو والمؤيدين لمسيرتها وطروحاتها السياسية، وهي قائمة تثير العجب بل والارتباك على نحو ما يقول المؤلف، كيف لا والقائمة تضم فلاسفة من فرنسا وقراصنة من فنزويلا، وفوضويين من ألمانيا ومحاربين في معركة استقلال الجزائر ودعاة لإنصاف المرأة من الكونغو في ربوع غرب أفريقيا، بل ضمت القائمة النجمة الأميركية الشهيرة شيرلي ماكلين التي كتبت تقريراً حافلاً في عام 1975 تنوّه فيه بزيارة استغرقت 6 أسابيع للصين الشعبية مبديةً خلالها كل الإعجاب بالبلد الآسيوي الكبير.

في تلك الفترة دأبت أجهزة الدعاية الصينية على وصف السوفييت بأنهم مراجعون وأحيانا تحريفيون، بمعنى أنهم نكصوا عن تكريس وتطبيق تعاليم كارل ماركس، بشأن وحدة الطبقة العاملة في العالم والتصدي للقوى والأفكار والطروحات الرأسمالية التي يطبّقها الغرب الرأسمالي في أوروبا وأميركا على السواء.

خلاف أيديولوجي

تركز الخلاف الصيني الروسي في تفسيرات الإيديولوجية الماركسية بقدر ما كان له أبعاده الشخصية ومضامينه الذاتية فيما بين زعامات البلدين. ورغم أن عقد التسعينات جاء واعداً ببشائر ربيع من التفاهم، أو فلنقل من التفاهم المباشر أو غير المباشر بين موسكو التي أنهت الحقبة السوفييتية وبكين التي اتسع نطاق انفتاحها على العالم وبدأت تأخذ بالنهج البرغماتي العملي والواقعي بديلاً عن نهج الإيديولوجية الجامدة إلا أن هناك مِن دارسي العلاقات بين الطرفين الروسي والصيني مَن عكف في الآونة الأخيرة على التعمق في تدارس علاقات هذين القطبين للخروج بدلالات لها قيمتها بالنسبة لفهم الأبعاد السياسية للعلاقات الدولية بشكل عام.

المؤلف

يعمل البروفيسور جيرمي س. فريدمان أستاذاً مساعداً لأصول الحكم وعلوم الإدارة في كلية التجارة وإدارة الأعمال بجامعة هارفارد. وقد حصل على الدكتوراه والماجستير في الدراسات التاريخية من جامعتي ستانفورد وبرنستون ثم قام بالتدريس في جامعة ييل.

ويعكف المؤلف على دراسة مشروع بعنوان »الأحلام الثورية: إنشاء اشتراكية العالم الثالث«.

صحيفة البيان الأماراتية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى