الربيع العربي بعد أربعة عشر عاماً ،حصيلة التجربة وسياقاتها الراهنة
ماهر عصام المملوك

حين انطلقت الانتفاضات الشعبية في تونس أواخر عام 2010، ومن ثم في مصر وليبيا واليمن وسوريا والسودان لاحقاً، بدا وكأنّ العالم العربي يقف على أعتاب تحوّل تاريخي.
صُوِّر الأمر آنذاك على أنّه “ربيع ديمقراطي” شبيه بما جرى في أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أو بأمواج التحوّل الديمقراطي التي شهدتها أميركا اللاتينية في ثمانينيات القرن الماضي.
غير أنّ مرور أربعة عشر عاماً كشف أنّ المشهد العربي أكثر تعقيداً بكثير، وأن النتائج بعيدة عن الأحلام الأولى.
السؤال المركزي اليوم هو: ماذا بقي من الربيع العربي؟ وهل أفضى إلى بناء أنظمة ديمقراطية مستقرة، أم أدخل المنطقة في دوامة جديدة من الاستبداد والفوضى؟
أولاً: الديمقراطية المؤجلة أو المجهضة
المطلب الأول للشعوب كان واضحاً: الحرية والكرامة والديمقراطية. لكن النتائج العملية تباينت:
- تونس، التي اعتبرت في البداية قصة النجاح الوحيدة، شهدت تراجعاً حاداً مع تركيز السلطة في يد الرئيس بعد 2021، مما أنهى التجربة البرلمانية التعددية.
- مصر عادت سريعاً إلى نموذج سلطوي جديد، ربما أكثر تشدداً مما كان عليه.
- اليمن وليبيا والسودان غاصت في صراعات أهلية وانقسامات حادة، حوّلت مطلب الديمقراطية إلى ترف مؤجل.
- العراق، رغم امتلاكه نموذجاً انتخابياً، بقيت ديمقراطيته مشوهة بفعل الطائفية والفساد.
- سوريا بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 دخلت في مرحلة انتقالية مرتبكة، حيث استبدل النظام الاستبدادي السابق بفوضى سلطوية جديدة تقودها جماعات مسلحة وحكومة انتقالية ضعيفة.
النتيجة: لم تولد ديمقراطية عربية ناضجة حتى الآن. بل إنّ التجارب تراوحت بين نكوص سلطوي وفوضى أهلية.
ثانياً: الحروب الأهلية المستمرة
إذا كان الربيع العربي قد كشف تعطش الشعوب للحرية، فقد أطلق أيضاً أزمات مسلحة لم تنتهِ بعد:
- سوريا: سقوط نظام الأسد لم ينهِ الحرب، بل فتح فصلاً جديداً من العنف، حيث شهدت البلاد فوضى غير محسوبة الأبعاد وانهياراً اقتصادياً وإنسانياً غير مسبوق. غابت الدولة المركزية، وبرزت سلطات الأمر الواقع التي لا يجمعها سوى العداء للنظام السابق.
- اليمن: الحرب بين الحوثيين والتحالف العربي تحوّلت إلى صراع إقليمي معقّد، لا تزال هدنه هشة ولا أفق واضح لتسوية سياسية شاملة.
- ليبيا: لا تزال منقسمة بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب، مع حضور عسكري أجنبي واسع.
- السودان: انزلقت منذ 2023 إلى واحدة من أسوأ الحروب الأهلية في العالم، بين الجيش وقوات الدعم السريع، ما أنتج ملايين النازحين وأزمة إنسانية هائلة.
- العراق: رغم تراجع الحرب ضد “داعش”، إلا أنّ التوترات الطائفية والسياسية لا تزال تشكّل تهديداً دائماً للاستقرار.
يمكن القول إنّ الربيع العربي لم ينتج ديمقراطيات بقدر ما أطلق حروباً أهلية طويلة الأمد.
ثالثاً: مصير الثروات المنهوبة
من أبرز مطالب الجماهير كان محاسبة الأنظمة السابقة على عقود من الفساد ونهب الأموال. لكن السؤال الذي يتكرر: أين ذهبت تلك الثروات؟
- بعض الأموال المهرّبة تم تجميدها في أوروبا والخليج، مثل أموال بن علي في سويسرا أو القذافي في إيطاليا او الاسد في روسيا .
- لكن استردادها إلى الشعوب ظل محدوداً، بفعل التعقيدات القانونية والدبلوماسية.
- الأسوأ أنّ الفساد لم يتوقف مع سقوط الأنظمة، ولم يعد احد يعلم أين اختفت واين رحلت هذه الثروات بل ظهر بعضا منها مع من استلم السلطة حديثاً وفي أشكال جديدة مع السلطات الانتقالية أو العسكرية أو الميليشياوية.
وبالتالي، بقيت الشعوب محرومة من مواردها، وازدادت الفجوة بين الفقراء والأغنياء.
رابعاً: الزعامات الجديدة بين التكرار والتبعية
هل من جاء بعد الزعماء القدامى أفضل حالاً؟ التجربة تقول إنّ كثيراً من الزعامات الجديدة إما افتقرت للشرعية الشعبية أو أعادت إنتاج الاستبداد بشكل آخر.
والاستنتاج هو ان القيادات الجديدة لم تحقق نقلة نوعية، بل غالباً كرّست الأزمة.
خامساً: الغرب والوعود المؤجلة
الغرب بشّر في البداية بالتحولات الديمقراطية، لكن سرعان ما تراجع عن دعم الشعوب حين اصطدمت مصالحه بالواقع:
- في ليبيا أسقط التدخل العسكري القذافي لكنه ترك البلاد في فوضى.
- في سوريا لم يسعَ الغرب لإسقاط النظام بشكل مباشر، بل اكتفى بإدارة الصراع.
- في اليمن والسودان انحاز إلى توازنات القوى الإقليمية أكثر من انحيازه لحقوق الشعوب.
- وفي مصر، أعاد الاعتراف بالنظام الجديد رغم غياب الديمقراطية.
هذا يوضح أنّ الخطاب الغربي حول الديمقراطية لم يكن سوى أداة سياسية، لا التزاماً حقيقياً.
سادساً: إسرائيل كمستفيد استراتيجي
من أبرز النتائج الجيوسياسية للربيع العربي أنّ إسرائيل خرجت الطرف الأكثر استفادة:
- تفكك الجيوش العربية الكبرى (سوريا، العراق، ليبيا، السودان).
- انشغال الدول العربية بحروب داخلية أبعدها عن الصراع الفلسطيني.
- توسّع دائرة التطبيع العربي مع إسرائيل (الإمارات، البحرين، المغرب، السودان).
- تعزز صورة إسرائيل كدولة مستقرة في محيط مضطرب.
يمكن القول إنّ جزءاً من “الربيع العربي” انتهى بخدمة مشروع “إسرائيل الكبرى” عبر إضعاف الخصوم وتفكيك الإقليم.
سابعاً: الواقع الاقتصادي والاجتماعي
- إلى جانب السياسة، فإنّ الواقع المعيشي للشعوب هو الأشد قسوة:
- انهيارات اقتصادية متكررة (لبنان، مصر، تونس).
- بطالة مرتفعة، خصوصاً بين الشباب.
- تفاقم أزمة الغذاء كما في سوريا واليمن والسودان.
- هجرة واسعة للعقول والكفاءات إلى الخارج.
هذا الواقع رسّخ شعوراً عاماً بأنّ الحياة اليومية أصبحت أصعب مما كانت قبل الثورات.
في نهاية هذا المقال يكفي ان نقول بعد مرور أكثر من أربعة عشر عاماً، يمكن تلخيص حصيلة الربيع العربي في النقاط الآتية:
- الديمقراطية الموعودة لم تتحقق، وما ظهر منها كان هشّاً أو أُجهض سريعاً.
- الحروب الأهلية لم تنتهِ، بل أصبحت هي السمة الغالبة في أكثر من خمس دول عربية.
- الثروات المنهوبة لم تعد إلى الشعوب، بل استمرّت وتوسعت أنماط الفساد نفسها فقط تغيرت الأسماء والوجوه.
- الزعامات الجديدة لم تكن أفضل، بل أعادت إنتاج الاستبداد أو الفوضى.
- الغرب أثبت أن مصالحه فوق وعوده، والديمقراطية لم تكن سوى أداة ضغط سياسية.
- إسرائيل خرجت الرابح الأكبر من تفكك الدول العربية وتراجع قدرتها على المواجهة.
إنّ الدرس الأبرز هو أنّ التغيير لا يُستورد ولا يُفرض من الخارج، بل لا بد أن ينبع من الداخل عبر بناء مؤسسات حقيقية، وعدالة انتقالية متوازنة، ومجتمع مدني قادر على مراقبة السلطة.
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى “الربيع العربي” أقرب إلى خريف ممتد، حلمت فيه الشعوب بالحرية لكنها وجدت نفسها في واقع أكثر عسراً وتعقيداً ولا أمل قريب في الفرج المنشود .
بوابة الشرق الأوسط الجديدة