الشعوب كالأطفال

أمسك الأب بطفلته الصغيرة بين ذراعيه وراح يلاعبها و” يغنّجها ” على مسامع أمها قائلا ” مين حبيبة بابا ؟ ” .

أجابت الطفلة ذات الثلاث سنوات بمنتهى الهدوء والبساطة ” جارتنا سعاد “…… ولكم أن تتخيلوا بقية الحادثة وعواقب سؤاله المشؤوم .. وقيل أنه مازال إلى حد الساعة يأكل بمفرده في المطبخ ثم يغسل الصحون والطناجر وينام على الكنبة .

الأطفال قوم لا يتستّرون ولا يحبون الاستعارات البيانية والمجازات اللغوية , إنهم كالجاحظ في تعريف البلاغة بأنها فن الوضوح والإيجاز.

تدرك الطفلة أن والدها يحبها ” مهما أساءت له ” فهي بالتالي لا تحتاج ولا تنتظر ولا تتوقع هذا السؤال البديهي, لذلك جاء جوابها منطقيّا على مبدأ البحث عمّن هو خارج دائرة العائلة وفائض عن الطبيعي .. ثم أنها بلا شك قد سمعت “البابا ” يخاطب الجارة ” سعاد ” بعبارة ” يا حبيبتي ” بمنتهى الجديّة …فالكبار لا يكذبون …في نظر الأطفال طبعا .

كانت “باطلة ومحوّلة “” تلك الملاعبة التي صعقت الأب , صدمت الأم وفضحت الجارة …ثم استمرّت الحياة و استمرّت الطفلة في الإنصات والتذكّر واللعب مع الشخصيات الثلاث ذات الحظ العاثر الذي أوقعها في إجابة “صحيحة ” ومنطقية بالمفهوم الطفولي و البريئ غصبا عن الجميع ..

لسنا طبعا بصدد محاكمة أخلاقية فوق هذه المساحة الورقية الضيقة والمخصصة للـ”كبار “”, لكنّ لهذه الحادثة التي قد ـ تحصل في أحسن العائلات ــ أبعادا تتجاوز مجرّد التندّر أو حتى أخذ العبرة التربوية فهي تحمل في طيّاتها دعوة لكل ساسة العالم الذين يشنون حربا ضد الشعب السوري بتسمية الأشياء بمسمياتها، لأنّ الشعوب كالأطفال، تتذكّر ما تسمعه من حكامها جيدا في حملاتهم الانتخابية وخطاباتهم الحماسية، تصدّق وتردّ بالأجوبة الصحيحة و ” المنطقية ” حتى وإن كان ذلك في الأوقات “غير المناسبة ” …أي قد يكلّفكم ذلك الأكل في المطبخ، جلي الطناجر والصحون، مغادرة أسرّتكم الناعمة الوثيرة و النوم على الكنبة في الصالون … وليس عند الجارة “سعاد ” طبعاً .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى