نوافذ

العصا السحرية

مختار عيسى

العصا السحرية… هي قضية دائمة السطوع على شاشة العقل العربي، الذي خضع لأسباب عدة إلى ما يشبه الاستئجار، في ظل تشابكات سوسيوبوليتيكية، توقف الرهان على الفعل ، وتشكك في القدرة  وتعلى من شأن التواكل ، والرضا بالهزائم على أصعدة متباينة ؛ ولعله من ركائز استعادة الوعي المستلب بفعل الخضوع للمستنسخات الإعلامية  إعادة طرح هذه القضية بعيدا عن هذا الخضوع؛واعين حجم المأساة ؛ حيث يتبارى المحللون وقارئو الفنجان السياسي، وأصحاب الدكاكين الرؤيوية المعلبة، في وضع الوصفات الرقمية أو الخطية لكثير من أزمات المشهد  اجتماعيا كان أم سياسيا أم ثقافيا  وفق محفوظات كليشيهية تتناقلها أجيالهم وتناسلاتهم بتباينات طفيفة .

ومن الكليشيهات  التي لاتغيب عن شاشة  التحليل  إلا لتظهر ثانية ـ بعدت مسافة الغياب أو قربت ـ أن الحاكم لايملك عصا سحرية لحل المشكلات والتصدي لمايؤزم محكوميه بين يوم وليلة .

وقد يبدو ـ على السطح الأعلى لهذه المقولة المستنسخة والمطبوعة ـ آلاف ، إن لم يكن ملايين المرات في الذهنية العربية الحديثة والقديمة سواء بسواء ـ أن لها من المصداقية  والجلاء ، مايجعلها جديرة بالتبني والاستنسال كلما واجهت المجتمع معضلة ، أو تصدى حاكم لأزمة ، إلا أن الغوص الواجب لمن أراد النّصفة  و الدقة الموضوعية معا ، يكشف مافي هذه المقولة  من الزيوف والأضاليل ، فضلا عن قدرتها التحطيمية لأي أمل في تغيير حتمي لمصلحة الإنسان ووطنه .

الجوهر الحق  أن الحكام ، يملكون فعلا عصا سحرية ، والتاريخ يحفل بنماذج من هؤلاء الحكام السحرة الذين استطاعوا ـ حقا وصدقا ـ القفز بمجتمعاتهم وحل مشكلاتها والتصدي لأزماتها اعتمادا على قوة خارقة يتفنن المطبلون والمزمرون في نفيها عنهم ، تتجلى هذه القوة التي تعرف الشعوب مكمنها ، ويدركها من يتوكأ عليها ـ دون أن تكون له بها مغانم أخرى يهش بها على تمصلحاته الخاصة، ذلك إن أخلص  الحاكم النية ، واجتهد في التحلل من كل ما يوقفه على أعتاب التبارير المألوفة : قلة الموارد ونقص الإمكانات، وثقل المسؤولية ، وتعاظم المشكلات .

العصا السحرية  يملكها  الحاكم الصادق ، يستطيع بها  أن يشير إلى المشكلة فتنفرط  عناقيدها ، وتنحل عقدها ، ويستطيع بها أن يجعل الأمل دائما شاخصا أمام كل الطاقات  ؛ فيتحرك الجميع كخلية النحل ، كلٌّ يدرك دوره ، ويعرف مواقيته وحدود حركته ، دون تزاحم مربك ، أو تداخل معطل .

نعم ، هناك ـ بالحتم ـ أمل في غد أفضل ، ومجتمع أعظم إطلالة على مشهد التقدم، بل مشارك في رسم خارطة مستقبل للبشرية لامكان لشعب خامل في الدخول إلى ساحته ، دون إدراك لطبيعة العطاء والإخلاص في النية، والتخلي الحاسم عن كتبة التقارير التبريرية للفشل الحكومي والعجز السلطوي ، أو إلقاء التبعة ـ بتبادلية صارت مقيتة ـ  على النخبة أو الجماهير .

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى