كل عام وأنتم بخير
” المجنة، المقبرة، التربة، الجبانة” وغيرها تسمية للمكان الذي يدفن فيه الأموات.
كان أبي يزور أمي في أوقات كثيرة وقد اعتدل ظهره وبدا صحيحاً معافى لولا أنّ جسده ضامرا ً وعليه القليل من اللباس.
يعاتبها عتاباً مراً على تركه هكذا من دون طعام أو كساء. تأتيني منذ الصباح الباكر طالبةً مني توزيع كميةً من الخبز على عدد من البيوت القريبة من منزلنا، ثم توصيني أن أمّر في طريق ذهابي إلى العمل صوب المقبرة، لأقرأ الفاتحة على قبره هناك، وعندما تراني متململا ً من الوقت الذي قد لا يساعدني، تصر عليّ مؤكدة ضرورة قراءتها على القبر مباشرة. حاولت إقناعها مرات ومرات أن الفاتحة تصل أينما قرأناها من دون جدوى.
تلك الكلمات من رواية لي تدعى “العلم” وقد كان عنوانها ” على حافتي الوهم” حين فازت بجائزة المزرعة ذات وقت، لكنني عدلت اسمها إلى العلم بسبب الأعلام الكثيرة التي ترتفع في القرية وما حولها.
جئنا على ذكرها بمناسبة مرور العيد، وهذه المناسبة أعادتني إلى قرانا البعيدة التي لم يكن يتوفر فيها تلك الأيام أي نوع من الأراجيح حتى لو كانت يدوية وبسيطة.
عند الفجر كانت أمي تعد القهوة المرة، وتحملها مع كيس أو أكثر من “القوم أو الكعكبان” وهما من أشهر أنواع الحلو في ذلك الزمن إضافة إلى “الراحة والبسكويت والهريسة” وكانت تصطحب معها من استفاق على حركتها من أهل البيت من أجل التوجه إلى مقبرة القرية، أو التربة كما يطلق عليها بعضهم، وتلك الساعات تلتقي فيها نساء القرية وأطفالها حول القبور، وهنك تدور القهوة مع أحاديث كثيرة لا علاقة لها بمن سكنوا تحت التراب، ويحدث أن تذرف واحدة منهن دمعة، فتسارع بعضهن إلى مواساتها وإعادتها إلى الأحاديث العادية المتداولة بينهن، أما الأولاد، فلم تكن تسمع سوى صوت أسنانهم وخاصة وهم “يقرقطون الكعكبان ” ويحملون ما زاد منه في أكياس ورقية إلى البيوت، ليستأنفوا طحنه فيما بعد، وعند طلوع الشمس لابد أن يغادر الجميع أرض المجنة.
لا أدري حتى هذه اللحظة ورغم مرور السنين إذا كانت تلك المغادرة لها علاقة بالتعاليم الدينية ، أو الموروث الشعبي ، أم أن الأمر له علاقة بالعادة وحسب؟ لكن ما أدريه أن العيد كان يقتصر على زيارات بيوت الأقارب والأصدقاء، وقد يعود بعض الناس وخاصة بعد الظهيرة إلى أعمالهم في الفلاحة وتربية الحيوانات، والعيد لم تكن فيه تلك التعقيدات التي تحدث اليوم، وكان مناسبة مهمة لتسوية الخلافات بين المتخاصمين وعلى الأغلب ما يتم الصلح بتقبيل اللحى والشوارب، وكان الوسطاء يقنعون الطرف المتعنت والرافض للصلح بقولهم : ” الدنيا عيد، وجبر الخواطر على الله” وبعدها يرددون عبارة : ” الله يجبر على اللي يجبر” ومعناها أن الخير سيأتيه حتماً، لأنه صفح وسامح من تخاصم معه.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة


