الغني الأنيق

 

“أكل الكوسا موسى” .

كنا نعتبر هذ الجملة أحجية لغوية ونحن صغار. كيف يأكل الكوسا المسكين موسى غيرالمسكين. واحد بأنياب ، وآخر يؤكل مطبوخاً. وبعد الفشل في الحل عرفنا أن المسألة تخص تقديم الفاعل على المفعول به أو تأخيره. ولكن لاحقاً صار المعنى أكل الكوسا موسى بوصفه مفعول به.

أمامي الآن صناديق الخضري، نقترب منها، ونحن مدججون بكمامات الكورونا وفي جيوبنا بخاخات التعقيم، (التي أشك أنها تعقم، إذ ما الضمان أنها كذلك وحياتنا كلها غش ونقصان المادة الفعالة في الدواء وفي الحياة؟

وقفت أمام لائحة الأسعار الموضوعة على صندوق الكوسا. ولسبب ما… غير مسألة الأسعار وجدتني أشتم على النحو التالي:

الخضري تافه، واللحام أيضاً، والصيدلي، وبائع اليانصيب، وبائع الخبز، وبائع الأمل، وبائع الأفكار، وباعة الأوطان… كلهم تافهون يربحون من وراء دبيب أرجل كورونا. كأن الكورونا المندوب التجاري للسوق الجديدة. بكل ما تيسر من الأسلحة والبغضاء.

أحدهم كتب مرة: كل أغنياء العالم بدأوا من الصفر إلا أغنياء سورية…. بدأوا من عام 2011 (تاريخ اندلاع الحرب).

وبسبب مصدر الثروة المشبوه دائماً. (تجار ممنوعات، تجارة أسلحة، رشاوى واختلاسات، وليس مما يسمى الاقتصاد الوطني بالتأكيد). فإن الأغنياء بخلاء، لقد اكتشفنا بخلهم وجشعهم عديم الرحمة، في يوميات الحرب. حيث لم نسمع ولم نر ذلك الغني الذي أنقذ مخيماً للاجئين من الموت برداً وجوعاً ومرضاً.

وحين تبرعوا للحرائق… جمعوا 200 مليون ليرة..

والغني المشبوه، وقح. فهو يصرف الملايين على مقتنيات ومصروفات تثيراستفزاز المجتمع المسكين. كالسيارات والمطاعم والألبسة وبنات هزالبطون.

عندما أعلن جورج أرماني، الثري العالمي، والذي كل أغنياء العالم يلبسون من تحت  يده:

“لن أسمح لإيطاليا أن تركع على ركبتيها، ولو أنفقت كل ثروتي”.

قلت لنفسي متحسراً… لا أريد من أغنياء سورية، في هذه المحنة الكونية العظمى، مالاً ولا تبرعات ولا الكف عن التجارة باللقمة، بعد توقف التجارة بالدم…

أريد فقط أن يؤلفوا جملة واحدة مثل جملة جورج أرماني ، حتى لو انطوت على أكاذيب الكون.

ومع ذلك…

برتولت بريخت على صواب في أكذوبة “الأمل” وهو يغادروطنه (المانيا ) الذي اطلق جريمة حرب كونية:

“لا تدق مسماراً في الجدار، لتعليق المعطف.

ارمِ معطفك على الكرسي.

ثم… لماذا تتموّن لأيام أربعة…

وانت عائد… غداً ”

لم يعد، صديقي بريخت ، لا بعد أربعة أيام ولاغداً ولا … أبداً.

ومع ذلك ظلت هذه الأيقونة الصلبة من الكلمات ، معلقة فوق مبنى الوطن المعنوي للمنفيين!

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى