الفيلم الأمريكي المسيء وردودنا الانفعالية “المتوقعة”! (هشام منوّر)

هشام منوّر

 

انهمكت وسائل الإعلام، بأنواعها المختلفة، في متابعة تفاصيل وتداعيات عرض الفيلم الأمريكي الذي حاول "الإساءة" إلى النبي الكريم، عليه الصلاة والسلام. وبدا الأمر مع تسارع الأحداث وتواتر تداعياته، وكأن العالم برمته قد انقسم إلى "فسطاطين" غير متناسبي الحجم بطبيعة الحال.
التمايز الحاصل على أساس الموقف من عرض الفيلم الأمريكي الذي أخرجه مخرج إسرائيلي هذه المرة، بين رافض ومدين للإساءة التي شعر بها المسلمون من خلال محاولة الإساءة إلى نبيهم الكريم (نقول "محاولة" لأن المقام الرفيع للرسول الكريم أسمى من أن تمسه أفلام مبتذلة)، ومن أيدهم من شعوب العالم تحت مظلة الدفاع عن حرمة المقدسات والمعتقدات الدينية. وبين مؤيد لعرض ذاك الفيلم، أو على الأقل، مستغرب لحجم "الضجة" التي افتعلها المسلمون، على حد رأيهم، مما يدخل تحت بند "حرية التعبير"، والتي لا يسلم من "أذاها"، كما تبين، حتى المسلمات والمعتقدات الدينية.
وفيما بدا أن العالم قد نسي دعوات الحوار بين الحضارات وسبل التعايش فيما بينها، وتراءى للمرء أن العالم يسير رويداً رويداً نحو صراع كوني، واصطراع حول تقييم المبادئ والقيم وترتيب سلم أولوياتها، أخذت الأفعال وردودها تتوالى بين "الفسطاطين"، فعمت المظاهرات والإدانات والهجمات على السفارات الأمريكية حول العالم، والدعوات إلى المقاطعة الاقتصادية، بوصفها أضعف الإيمان، أرجاء العالم الإسلامي الجريح والمصدوم بنظرة الغرب إليه وتقديره لمعتقداته وشعائره، في الوقت الذي أثارت فيه المواقف الرسمية والشعبية التي اتخذها العالم الإسلامي والعربي حفيظة الدول الغربية و"حميتها"، وفزعت صحف ووسائل إعلام الفسطاط الآخر لنصرة الولايات المتحدة ومن والاها، بذريعة الحفاظ على مبدأ حرية التعبير والمنافحة عنه.
لا يملك المرء إزاء تلك الزوبعة الإعلامية الجديدة القديمة سوى أن يدين أي محاولة للإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يعتبر أي محاولة للإساءة إلى الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، إساءة للمسلمين جميعاً، ولا صحة بعد هذا لما تثيره الدعوة إلى تقديم الاعتذار ومعاقبة المسيئين من التعارض أو التناقض مع مبدأ حرية التعبير التي ينادي بها الغرب، فتاريخ الغرب ذاته حافل بمحاولات إساءة مماثلة لبعض الشخصيات الرمزية (تشي غيفارا والملكة البريطانية على سبيل المثال)، والتي لم يتوان الغرب حينها من تقديم الاعتذار عليها، بل ومحاسبة المتسببين بها. ولعل القوانين التي ما فتئت تصدر في أوروبا حول تجريم مجرد التشكيك في أعداد اليهود في فيما يسمى بالهولوكوست، والتي طالت عدداً من أبرز مفكري الغرب، أبرز مثال على ذلك.
لكن الإشكال الذي يطرح نفسه هنا يتلخص في السؤال عن توقيت عرض هذا الفيلم بما أحدثه من تداعيات وتجاذبات، ودوافع المتسببين بها. ولا يمكن، من حيث المبدأ، إنكار معقولية التفسير الأولي الذي غذى مشاعر الغضب لدى المسلمين وتصرفاتهم، والمتمثل في التعصب والحقد الذي تكنه "فئة" من الغربيين على الإسلام والمسلمين. ورغم ذلك، فإن توقيت عرض الفيلم المسيء، ومساهمة بعض الجهات المسيحية في دعمه وتمويله، يطرح عدداً من التساؤلات حول تجاوز التفسير المتقدم، والبحث فيما وراء ذلك من أسباب ودوافع.
ومع ملاحظة سلسلة الأحداث التي جرت في الآونة الأخيرة، والتي يمكن تكثيفها سريعاً بفوز بنهوض العالم العربي ضمن سياق ربيعه الذي اجتاح دول المنطقة، وصعود الإسلاميين إلى سدة الحكم في عدد من البلدان العربية، وبالذات حركة الإخوان المسلمين، وحالة الاستقطاب المتفاعلة بين إيران والغرب حول المشروع النووي الإيراني، والذي وصل أعتاب توجيه ضربات عسكرية لإيران، والأزمة السورية التي دخلت نفقاً مظلماً عجزت معه الإرادة الدولية عن تأمين توافق دولي حول إيجاد حل مقبول لها، وصولاً إلى زيارة بابا الفاتيكان إلى لبنان، وما قد يجره عرض هذا الفيلم على زيارة البابا من توتر ديني واحتمال تفلت أمني متوقع، كلها أمور لا بد من وضعها في ميزان معرفة أسباب عرض الفيلم في هذا التوقيت.
جميع تلك الأحداث وتداعياتها يستخلص منها مع الأخذ بعين الاعتبار مركزية "إسرائيل" وأهميتها الاستثنائية على الأجندة الغربية، والأمريكية بوجه خاص، أن كلاً من توقيت عرض الفيلم الأمريكي ودوافعه تتمثل في السعي لتشويه صورة الإسلام والمسلمين في نظر العالم، والغربي منه بوجه خاص، وتغذية الرهاب الغربي من الإسلام (الإسلاموفوبيا) حيال ما يمكن أن يقوم به المسلمون إزاء صنيعة العالم الغربي (إسرائيل) فيما لو تسلم الإسلاميون زمام الحكم في بلدانهم، بما يبرر تالياً استمرار الحرب على الإرهاب، والسياسات الغربية حيال الحركات الإسلامية حتى المعتدل منها.
وإذا لم يكن القصد مما تقدم تبرير دعوات التهدئة والدعوة إلى ممارسة شيء من "التعقل" إزاء ضبط ردات فعلنا مما يجري، إلا أننا وبالتوازي مع ذلك، يجب أن ننظر بعين الاعتبار لمجمل الظروف والدوافع المكتنفة لتلك الحادثة، وترشيد سلوك الشعوب الإسلامية الغاضبة وتوجيهها نحو الأفعال السلمية الأكثر فاعلية، والابتعاد عن كل ما قد يشوه صورة المسلمين أو يمعن في ذلك، بما يشكله ذلك من "وقود" مجاني لحرب الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها بذريعة مكافحة التطرف ورفض الآخر ونبذ قيم الحوار والتواصل وتعايش الحضارات.
فحرمة الدم والمال، أياً كان مصدره، ثابتة في الشريعة الإسلامية، ولا يصار إلى تجاوز تلك الحرمة إلا حال وقوع مخالفة شرعية معتبرة، ويختص بذلك المخالف ذاته لا من يلوذ به أو حتى ينتمي إلى عرقه أو دينه أو جنسه (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
النبي عليه الصلاة والسلام، حي بين ظهرانينا بشرعه وذكره الخالد بيننا، لكن الرسالة التي أراد المسيئون إيصالها من خلال هذه الهجمة، هي دق ناقوس الخطر من تنامي قوة المسلمين وانتشار الإسلام، دين التسامح والتعايش مع الآخر، والذي يهدد مصالح فئة منتفعة في الغرب وفي مقدمتها "إسرائيل"، والتمويه على جميع الممارسات الغربية الهادفة إلى محاصرة تلك الظاهرة المقضة لمضاجعهم من خلال استفزاز مشاعر المسلمين وإهانتها والتركيز فقط على إبراز وجه الغضب والعنف لهذه الأمة، وهو ما حاول الفيلم الأمريكي "الركيك" من الناحية الدرامية فعله، لا الإساءة إلى النبي الكريم.

موقع إيلاف الإلكتروني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى