” الكلب الذي يمشي في ظل العربة”

الكلب الذي يمشي في ظل العربة ويظن ظل العربة ظله”، بهذه العبارة يفتتح الكاتب التركي الشهير روايته ” زوبك” التي ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة، وحصلت على شهرة عالمية رغم إغراقها في بيئة القرية التركية، إلا أن إنسانيتها تتأتى من كونها تتحدث عن نموذج الإنسان المتسلق وسط مجموعة من الانتهازيين والحمقى والمغفلين.

الرواية تنتمي إلى الأدب الساخر بامتياز بل هي تعتبر من روائع الكوميديا السوداء في العالم وتقترب من أجواء شخصية جحا في الأدب التركي الشعبي، وهو نموذج المحتال الظريف الذي يوظف ذكاءه الفطري في خدمة مآربه الخاصة.

المبتكر في التقنية السردية لرواية ” زوبك” التي كتبت في خمسينات القرن الماضي، أن الشخصيات التي تتناوب الحديث عن ألاعيب وحيل البطل إبراهيم زادة، هي نماذج انتهازية وخسيسة وقعت ضحية بسبب جشعها ودناءة سلوكها وانتهازيتها.

الانتهازي الغبي في مواجهة الانتهازي الذكي، هذه هي اللعبة الدرامية التي أرادها عزيز نيسن في روايتها الشهيرة، وأوجد لها حبكة تتمثل في أن القارئ ” يحتقر ” الراوي ويشمت فيه حين يمسي فريسة سهلة لدى إبراهيم زادة، وذلك جزاء لغبائه ودناءة نفسه.

رواية ” زوبك” تعطي للانتهازيين ” الهواة” دروسا احترافية في الاحتيال والاستثمار في طمع وجشاعة الانتهازيين الصغار.

عزيز نيسن، يريد أن يقول من وراء هذه الرواية الموغلة في السخرية: للأسف نحن الذين نمنح الانتهازيين تأشيرة عبور من خلال سكوتنا والتواطؤ معهم أحيانا بسبب الركض خلف مصالحنا الخاصة.

يقوم زوبك (إبراهيم زادة) في الرواية بلعب أدوار وانتحال شخصيات متنفذة كثيرة، ويحالفه في ذلك الحظ بالإضافة إلى وضاعة ودناءة الانتهازيين في القرية إلى أن يصبح نائبا في البرلمان ويؤسس حزبا فيدمر خصومه جميعا إلا أنه يرتكب خطئا فيقع شر ما فعلت يداه ليذكّر بأن ” غلطة الشاطر بألف ” كما تقول العامة.

في الرواية يعتمد نيسن على ثلاثة عناصر أساسية وهي اللغة الساخرة ذات الطابع الكاريكاتيري والتصوير الماسخ، الرمزية في التسميات، بالإضافة إلى الإسقاط السياسي.

وإن  كان  ظاهر الأمر  في الرواية  عن  خداع السلطة  والكذب الذي  تمارسه  الحكومة  ليلا  نهارا إلا أن  محور الأمر يتمثل في سيكولوجية الجماهير التي تصدق كل مرة ما يقال لها وكل مرة تتعرض للخداع ولا  تتعلم من تجاربها.

ما أراد عزيز نيسن في روايته الشهيرة أن زوبك ليس شخصا بعينه بل هو حالة متفشية بكثرة  ولا تتغير من دولة  إلى أخرى ولا  تختلف من شعب إلى  آخر.

قام الكاتب بتسليط الضوء على الفساد السياسي  والإداري  وتفشى  الرشوة  وسيطرة  الجهل والتخلف والوصولية.

أمست ” الزوبكية” مصطلحا دارجا في القاموس السياسي وكذلك الاجتماعي للدلالة على الاحتيال والانتهازية والاستثمار في دناءة نفوس البعض وغبائه.

وفي هذا الصدد، يقول أستاذ اللغة الألمانية في مونوولوغ فلسفي عميق، وهو شخصية شاهدة على الأحداث في رواية ” زوبك ” لعزيز نيسن : الآن أيقنت أن زوبك ليس شخصا واحدا، ولكن نحن جميعا زوبكات، لو لم يكن في داخل كل منا زوبك لما كان قد ترعرع زوبك كهذا. تجتمع قطعة زوبكية من كل واحد منا فتشكل زوبكا كهذا فوقنا، ومع أن الزوبكية فينا، في دواخلنا، فإننا عندما نرى ” زوبكاتنا ” متوحدة في شخص واحد، نغضب منه  ولا نريده بيننا.

 ” زوبك” رواية تحفر عميقا في أذهان قرائها، وتصفعنا بحقائق نظنها ليست فينا، لكنها تسكننا ولا يمكن التنكر لها حين نصارح أنفسنا.

قراءة “زوبك” تمر بمراحل تبدأ بالضحك من ألاعيب البطل ثم يتحول هذا الضحك إلى نوع من الإعجاب والتعاطف، يصاحبه تشف من الشخصيات الذي وقعت ضحية في حيل البطل، وينتهي الأمر بنا عند إتمام قراءة الرواية بالتأمل في حقيقة شخصية إبراهيم زادة التي ابتكرها عزيز نيسن.

الحقيقة أن شخص زوبك لم يبتدعها الكاتب التركي عزيز نيسن بل هو نموذج يتكرر كل يوم وفي كل المجتمعات العربية التي ترزح تحت الفساد والانتهازية والجهل والفقر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى