تحليلات سياسيةسلايد

المأزق البنيويّ التاريخيّ للكيان الإسرائيليّ

عبد الخالق فاروق

استكمالاً لما سبق أن كتبته ونشرته في موقع الميادين نت تحت عنوان (إسرائيل إلى أين؟) بتاريخ 7/4/2023 و11/4/2023 و15/4/2023، وعرضت في ختامه جوهر التناقضات الاجتماعية والسياسية التي يعاني منها هذا النظام العنصري، والتي جوهرها فشل عمليات الانصهار الاجتماعي والثقافي والسياسي في الكيان الإسرائيلي، فهذا النموذج – الذي يكاد يكون نسخة مكرّرة من النموذج الاستعماري (الأنكلو-سكسوني) في القارة الأميركية منذ منتصف القرن السابع عشر، ومن خلال موجات الهجرة المتدفّقة تحت دعاوى ودوافع الاضطهاد الديني والبحث عن الثروة الجديدة نفسه – هذا النموذج لم ينجح في تحقيق الانصهار المطلوب كما كشفته السنوات الخمس الماضية.

فنحن إزاء تناقضات شبه صراعية بين  مكوّناته جميعاً: بين اليهود الشرقيين (السفارديم) واليهود الغربيين (الإشكناز)، وبين المهاجرين الروس مقابل المهاجرين من أوكرانيا وأثيوبيا والسودان، وبين العلمانيّين والمتدينين، وبين الأغنياء والفقراء، وبين أصحاب البلد (العرب الفلسطينيين) الذين يشكّلون خمس السكان داخل الخط الأخضر، وأكثر من نصف السكان في حال تنفيذ مخطّط ضم الضفة الغربية إلى الكيان وبين المهاجرين اليهود، وبين السكان الدروز وبقية المكوّنات العربية واليهودية المهاجرة، وبين عصابات المافيا ومنظّمات الجريمة المنظَّمة وبين الدولة والمجتمع.

وأخيراً بين طبقة من السياسيين الفاسدين الذين تكاثروا مثل الفطر خلال العشرين عاماً الأخيرة، حيث سجن رئيس دولة سابق (موشيه كاتساف) ورئيس وزراء سابق (يهود ألمرت) وفضائح تطارد وزراء، وها هو بنيامين نتنياهو، أطول من شغل منصب رئيس وزراء لهذا الكيان، مطارد من جرائم رشى وعمولات.

نعود الآن لنتأمل جانباً آخر من جوانب المأزق التاريخي لهذا الكيان والمتمثّلة في:

أولاً: أزمة الحكم.

فإذا تأمّلنا أزمة الحكم، نجدها تتجلّى في مظهرين جديدين تماماً على هذا الكيان، فمن ناحية أولى نجد أن الكيان الإسرائيلي الذي اعتاد على إجراء الانتخابات التشريعية الدورية منذ نشأته عام 1949 حتى الكنيست الحادي والعشرين بتاريخ 9/4/2019 الذي لم يستمرّ سوى خمسة شهور فقط، قد اعتمد على تشكيل حكومات ائتلافية بين قوى معسكر ما يسمّى اليسار الصهيوني، وعلى رأسه حزب “البالماخ” أو حزب العمل الذي تقوده غالباً أسماء كبار مؤسّسي هذا الكيان وهذه الدولة من قبيل ديفيد بن غوريون،  وموشيه دايان، وإسحق رابين، وليفي أشكول، وغولدا مائير، وشيمون بيريز، وقد استمرّت هذا القيادة حتى  الكنيست التاسع في مايو/أيار1977 حينما قفز للمرة الأولى في تاريخ هذا الكيان التحالف اليميني الذي يقوده “مناحم بيغين” وحزب الليكود مصحوباً بأسماء كبرى من أمثال “أريل شارون،  وإسحق شامير، وموشيه أرينز، وفي ذيل القائمة برز الشاب “بنيامين نتنياهو” منذ عام 1991.

وفي تبادل محسوب ومكرّر تبادل هذان التجمّعان الحزبيان دفة الحكم والإدارة حتى وقت قريب، وبالتحديد حينما دخل هذا النظام السياسي في نفق مظلم. ومن يتأمّل الفترات الزمنية التي قضى فيها الكنيست الإسرائيلي في الحكم والتشريع يلاحظ أننا حالياً بصدد حالة لم تحدث من قبل، فمنذ انتخاب الكنيست الأول في 25 كانون الثاني/يناير 1949- الذي استمر نحو سنتين وستة شهور – لم يحدث أن قصر عمر هذه الهيئة التشريعية سوى مرتين أخريين: الأولى في الكنيست الرابع الذي جرى انتخابه في الثالث من تشرين الأول/نوفمبر1959 ولم يستمرّ سوى سنة واحدة وعشرة شهور، والكنيست السابع عشر في 28 آذار/مارس 2006، ولم يستمرّ سوى سنتين وأحد عشر شهراً بسبب تداعيات الهزيمة المرّة التي تجرّعتها “إسرائيل” أثناء العدوان على لبنان في تموز/يوليو 2006.

إلى هنا يبدو أنّ بقية الكنيست الإسرائيلي قد استمر في مدته تقريباً بين أربع سنوات وثلاث سنوات وبضعة أشهر. بيد أن ما حدث منذ الكنيست الحادي والعشرين المنتخب بتاريخ 9 نيسان/أبريل 2019، والذي لم يمضِ في الحكم سوى خمسة شهور، ومن بعدها تكرّر الأمر في الانتخابات الأربعة اللاحقة، حيث لم يستمرّ أيّ منها سوى خمسة أشهر، مع كل تداعيات تلك السلبية في عدم القدرة على تشكيل حكومة ائتلافية تستقر في الحكم سوى الفترة نفسها تقريباً، لتعكس حقيقة واحدة هي وجود أزمة عميقة في الحكم ومؤسساته: الحادي والعشرون 9/4/2019 (5 أشهر) الثاني والعشرون 17/9/2019 (5 أشهر) الثالث والعشرون 2/3/2020 (سنة) الرابع والعشرون 23/3/2021 (سنة و7 أشهر) الخامس والعشرون 1/11/2022 حتى اليوم).

ولم تسلم كلّ واحدة من تلك العمليات الانتخابية من عمليات النحر في عمق المجتمع الإسرائيلي، وتزيد الشروخ والانقسامات يوماً بعد يوم حتى بدا لنا المظهر الراهن. ولم يكن ذلك سوى تعبير عن أزمة عميقة في المجتمع السياسي الإسرائيلي الذي انعكس بقوة على مؤسسات الحكم وتحديداً في السلطة التشريعية، وفي الجهاز التنفيذي (الحكومة) المنبثق عنها.

ومن ناحية ثانية، بقدر ما كانت أزمة نظام الحكم ومؤسساته تنخر في جسد الكيان الإسرائيلي، كانت ظاهرة غياب القيادات التاريخية تتعاظم لتلقي بظلالها الكئيبة على الكيان كلّه، وكانت ظاهرة تساقط خطوط التيارات الموصوفة باليسارية الصهيونية (حزب العمل–مارتس-إلخ…)، يقابلها تصاعد قوى اليمين المحافظ سياسياً مصطحبة معها، من دون أن تدري، قوى اليمين الديني المتطرّف والفاشي. وهكذا اتسمت الخريطة السياسية والحزبية في الكيان الإسرائيلي بالتفتّت من ناحية، وتنامي نفوذ التيارات والأحزاب اليمينية والصهيونية الدينية المتطرفة من ناحية ثانية.

فنحن الآن إزاء حالة جديدة وخطيرة على استمرار تماسك هذا الكيان سياسياً واجتماعياً وثقافياً، وما المعركة الطاحنة الجارية حالياً حول ما يسمّى “التعديلات القضائية ” سوى انعكاس لخلل بنيوي أكثر عمقاً طفح على الجلد بعد أن كانت فيروساته وجراثيمه تتفاعل تحت الجلد.

ثانياً: أزمة القيادة

تقابل هذا الخلل البنيوي على صعيد المجتمع والثقافة والسياسة ظاهرة إضافية، وهي غياب القيادات والزعامات البارزة والقادرة على إلهام قطاع واسع من السكان من خلال سلوكها وكفاءتها ودرجة من النزاهة الشخصية.

وبصرف النظر عن سياق الكذب التاريخي المصاحب للمشروع الصهيوني في فلسطين طوال مئة عام، والبروباغندا المستخدمة بشأن “الأرض الموعودة” والحق “الإلهي”، وشعب الله المختار دون الأغيار، فإن القيادات التاريخية التي قادت هذا المشروع كانت تختلف اختلافاً كبيراً عن القيادات التي تظهر حالياً على مسرح السياسة في “إسرائيل”.

فكيف نقارن بين ” دافيد بن غوريون” و”حاييم وايزمان”، وغولدا مائير، وإسحق رابين، بل وحتى “شيمون بيريز” و”إيجال آلون” و”مناحيم بيغين” و”أريل شارون” وغيرهم، بأمثال “بنيامين نتنياهو” و”يهود ألمرت” و”موشيه كاتساف” نزولاً إلى “إيتمار بن غفير” و”بتسلئيل سموتريتش” و”آريه درعي” ومن معهم…!!

ونقاط التمايز ليست في بحور الدم الملطّخة بها أيديهم جميعاً، وإنما في القدرة على القيادة والنزاهة الشخصية، حيث يتهم الأخيرون بالفساد الذي هو أقرب إلى اللصوصية، والنكد السياسي الصغير، وغياب الكفاءات الشخصية، وغلبة المصالح الشخصية المجردة على ما تسمّى “مصلحة إسرائيل”.

ووسط غياب هذه المعايير الموضوعية للقيادة والصفات الشخصية للقائد، صغرت المنافسات والصراعات بين الجميع، وسادت حرب “الكلّ ضد الكلّ” سواء في معسكر المعارضة المتقلّبة أو في معسكر الموالاة المتحرّكة، وتنقّلت الشخصيات القيادية في تلك الأحزاب والكيانات السياسية بين هذه المجموعة أو تلك، من دون لحظة خجل أو تردّد واحدة (مائير لابيد – بيني غانتس – نفتالي بينت).

وبين كلّ هذا جاء التفجير الأخير للساحة السياسية والاجتماعية والثقافية الإسرائيلية بعد تولّي التحالف اليميني الفاشي بقيادة بنيامين نتنياهو و”إيتمار بن غفير” و” بتسلئيل سموتريتش” بأغلبية بسيطة (46 مقعداً في الكنيست)، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراعات لم يسبق أن عاشها هذا الكيان “اللقيط”. ومن المرجّح أن يستمرّ هذا الصراع بين هذه القوى الصهيونية الفاشية والعنصرية من جهة، والقوى الصهيونية العنصرية العلمانية من جهة أخرى، ووسط هذا الصراع لن تجد “إسرائيل” قيادة تخرج هذا الكيان من مأزقه البنيوي والتاريخي، بل على العكس بسبب هذا العقل السياسي المحدود والمتطرف قد يخطئ قادتهم الخطأ التاريخي بارتكاب حماقة العمل العسكري ضد قوى المقاومة أو إيران، فتحدث ما أطلق عليها قائد المقاومة الإسلامية في لبنان “المعركة التاريخية الكبرى”.

الميادين نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى