
أظهر أحدث استطلاع للرأي، نشرته «القناة 13» العبرية، أن أحزاب المعارضة الإسرائيلية ستحصل، في الانتخابات المُقرَّر إجراؤها في 27 تشرين الأول المقبل، للمرّة الأولى، على أغلبية 61 مقعداً من أصل 120 مقعداً في «الكنيست»، من دون الحاجة إلى أصوات أحزاب «فلسطينيّي الـ1948». كما أظهر الاستطلاع نفسه أن كتلة الائتلاف الحاكم ستتراجع إلى نحو 50 مقعداً، في ما يمثّل مؤشراً على تحوّلات جذرية مرتقبة في المشهد السياسي الإسرائيلي، ويفتح الباب أمام تكهّنات واسعة حول إمكانية قيام بدائل حكومية من ائتلاف اليمينَين المتطرّف والفاشي.
ويُعدّ احتمال حصول المعارضة على الأغلبية البرلمانية، بشكل مستقلّ عن قوائم «فلسطينيّي الـ1948»، علامة فارقة في المشهد؛ إذ يكسر السردية التي دأبت الموالاة على ترويجها طيلة السنوات الماضية، ومفادها أن المعارضة ما زالت بحاجة ماسّة إلى دعم الأحزاب العربية لتشكيل أغلبية، وهو ما بات يمثّل «عاراً» سياسياً وجماهيرياً، تحاول كلّ الأطراف الابتعاد عنه. وإذ من شأن هذا السيناريو أن يغيّر حسابات الناخبين والمرشّحين على حدّ سواء، ويعيد رسم الاستراتيجيات الانتخابية بشكل جذري، فإن تداعياته تمسّ بشكل مباشر كتلة الائتلاف برئاسة رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، التي يُتوقّع تراجعها إلى ما دون عتبة الأغلبية، وذلك بفعل تراكم حالة الغضب الشعبي منها، أو التعب السياسي من أدائها، والمراوحة التي تسِم سياساتها، في ظلّ مواجهات مستمرّة بلا نتائج حاسمة.
وبالدخول في تفاصيل الخارطة الخاصة بكلّ معسكر، تشير المعطيات إلى تقدّم لافت لقائمة «يشر» بزعامة غادي آيزنكوت، التي تتصدّر الاستطلاعات بـ23 مقعداً، متقدّمةً بفارق ضئيل على «الليكود» الذي يحوز 22 مقعداً، في حين يتفوّق زعيمها على نتنياهو في مؤشرات المُلاءمة لمنصب رئيس الحكومة بـ43% مقابل 34% للأخير. وبالتزامن، يُرصد تراجع ملحوظ في قوة الأحزاب اليمينية والدينية، وعلى رأسها حزب «شاس»، الذي تراجعت قوته الانتخابية في الاستطلاعات بشكل ملحوظ، وكذلك حزب «قوة يهودية» برئاسة وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير. ولربّما يعكس هذا التراجع حالة من الإحباط في قواعد الناخبين التقليدية، التي بدأت تتنقّل بين البدائل اليمينية المتشابهة، أو يشير إلى تحوّل في أولويات الجمهور نحو قضايا أكثر إلحاحاً، سواء كانت أمنية أو اقتصادية أو معيشية.
ورغم الأرقام الواعدة بالنسبة إلى المعارضة، تظلّ هذه الأغلبية هشّة ومُعرّضة للخطر بسبب التشتّت. فالساحة الإسرائيلية تشهد تكاثراً لتشكيلات سياسية صغيرة في الوسط واليمين المعتدل (من مثل تحالفات بني غانتس ويولي إديلشتاين ويوعاز هندل-حيلي تروبر)، التي توصف بأنها «أنانية» أكثر من كونها أيديولوجية متماسكة. ويعني خطر عدم عبور تلك القوائم الصغيرة، أو أحزاب من مثل حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» (بلد)، لنسبة العائد الانتخابي، وبالتالي سقوطها في الانتخابات، أن أصوات ناخبيها ستذهب إلى أحزاب أخرى – وفقاً للاتفاقات الانتخابية بين اللوائح -، وهو ما يعادل تغييراً في مقاعد الأحزاب، وربما في المعادلات السياسية بشكل غير مباشر، ويصبّ ربّما في النهاية في صالح بقاء نتنياهو في السلطة.
وكانت انتهجت الحكومة الحالية ما يُعرف بـ«الهجوم التشريعي» قبل حلّ «الكنيست»، وذلك لإقرار قوانين تعزّز قبضة أطراف الائتلاف ورئيسه على مفاصل «الدولة»، وتقيّد آليات الرقابة، وتُعلي مصلحة «الحريديم» على حساب الأغلبية، فضلاً عن تجاهلها القضايا المعيشية والأمنية الملحّة، وهو ما يؤثّر سلباً على أحزاب الائتلاف في استطلاعات الرأي. وفي المقابل، تكشف الحملات الانتخابية للمعارضة عن نفاق سياسي؛ إذ تحاول أطراف من مثل «أزرق أبيض» تخويف الناخبين من خيار بين «حكومة تعتمد على المتطرّفين» أو «حكومة تعتمد على أحزاب فلسطينيّي 1948»، فيما الحزب نفسه آيل إلى السقوط. وأيّاً يكن، فإن استطلاع «القناة الـ13» يمثّل مؤشراً أولياً قوياً على تغيّر في ديناميّات القوة السياسية الداخلية، لكنه يحمل في طيّاته تحذيرات من أن تشتّت المعارضة، قد يكون السبيل غير المباشر لإنقاذ نتنياهو. وعليه، يتعيّن الانتظار لرؤية ما إذا كانت هذه الاتجاهات ستترسّخ مع اقتراب موعد الاقتراع، أم أنها مجرّد فقاعات إعلامية سرعان ما ستنفجر في صناديق الاقتراع.
يُذكر أن هذه هي المرّة الأولى، منذ عام 1988، التي ستُجرى فيها الانتخابات في موعدها الأصلي بعد انتهاء ولاية كاملة لـ«الكنيست» الذي سيُحلّ رسمياً اليوم. ومِن بَعد تلك الخطوة، يُفترض أن تُجري الأحزاب، ما بين 20 تموز و4 آب، انتخابات تمهيدية لاختيار مرشّحيها، على أن يَعقب ذلك تقديم القوائم في 7 أيلول، وبدء البثّ الدعائي في 13 تشرين الأول، لتُفتح، من ثمّ، صناديق الاقتراع للمصوّتين في الخارج في الـ20 من الشهر نفسه، ويتمّ إعلان النتائج الرسمية في الرابع من تشرين الثاني.
صحيفة الاخبار اللبنانية



